خطبٌ جسيمٌ عمَّ بالأكدارِ
ما بعده، لسواه من مقدارِ
لو يعتري صمّ الجبال لأصبحت
دكّاً تناثرُ مثل نثر غبار
ولو اعترى الشمس المنيرة أظلمتْ
ولصار مثل الترب والأحجار
ولو اعترى زُهْر النجوم تقضقضتْ
وغدا الأنام بغير ضوء نهار
ولو اعترى البحر المحيط تطايرت
ونحا بديع نظامها لنثار
ولو اعترى البحر المحيط تطايرت
أجزاؤه وتحوّلت لبحار
ولو اعترى الفلك المدار لعطّلت
حركاته ولصار غيرَ مدار
خطبٌ تبدّلتِ الدموع به دمًا
وجرى كغيثٍ هاطلٍ مدرار
وغدت به الأكباد وهي كليمةٌ
حَرّاء حاميةً كجذوة نار
صُعقت جميع الناس فيه كأنهم
في طور سِينا إذ تجلّى الباري
ويحق ذاك وكيف ولا والترب قد
وارى إمام السادة الأخيار
مهديّ هذا العصر وُسطى عِقده
بحرُ الحقائق كاشف الأسرار
الغوثُ، عبدالقادر، السامي الذرى
شمسُ الهداية مُظهر الأنوار
مولىً مناقبُه تجلّ وتعتلي
عن عهدنا كالقطر في الأمطار
وا حسرتا للمعتفين فإنهم
من بعده في خيبةٍ وخسار
ذهب الذي قد كان يجبر كسرهم
ويثيب يمناهم أجل يسار
يعطيهمُ الآلاف معتذرًا لهم
طلق المحيا باديَ الإسفار
وا حسرتا للائذين فإنهم
من بعده في ضيعةٍ وصغار
ذهب الذي يجلو الغوامض عنهمُ
من بعد ما أعيت على الأفكار
وا حسرتا لليل من ذا بعده
يُحييه بالطاعات والأذكار
وينير طرّته بأبهى غُرّةٍ
تُربي محاسنها على الأقمار
ذهب الذي قد كان بَرّاً عابدًا
مستغفرًا لله في الأسحار
لهفي على الفقراء من ذا بعده
يُنجيهمُ من مخلب الإعسار
ويردّ ناب البؤس عنهم نائيًا
وينيل ما راموا من الأوطار
لهفي على الأيتام ماذا بعده
يلقون من ضنكٍ ومن إقتار
ذهب الذي قد كان خيرَ أبٍ لهم
يُوليهمُ فيض الندى المدرار
لهفي على الأدباء من ذا بعده
يلقونه ببدائع الأشعار
ذهب الذي قد كان يُغلي سعرها
ويُجيز بيت الشعر بالدينار
صبرًا على هذا المصاب وإن يكن
زند الأسى والحزن فيه وارى
فاللهُ قد وعد الصبور مثوبةً
وجزيلَ إنعام بدار قرار
لو كان في الموت الفداء فداه كلْ
لُ سميدعٍ نَدْبٍ من الأحرار
لكنه أمرٌ على كل الورى
متحتّمٌ في سابق الأقدار
والموت عند ذوي البصائر نعمةٌ
عظمى لأرباب التقى الأبرار
أرواحهم ترقى إلى أعلى العلا
من بعده وتحلّ أكرم دار
حيّا الكريم البرّ روحك بالرضا
وأثابها منه بخير جوار
وأدام طيب ثراك فضلاً إنه
يسمو بنفحته على الأزهار
وأنار قبرك مثل قلبك إنه
يوفي على الأفلاك في النوّار