توسِعُني أيّامي لَطْمًا وَعَويلا
لو تبقي لي ساعةَ وَجْدٍ أَتَنَهَّدُ
مِلءَ الدارِ أُبيحُ لِنفسي طَرقَ البابِ على نَفسي
حتّى يتآكَلَ إصراري السيرُ إليكَ بَعيدٌ
وَأَنا أَلتَهُمُ الساعاتِ وَأسْتَشْعِر في صَدري صَخَبًا وَضَجيجًا
وَكَأَنَّ الآلهةَ انتَحَرتْ فاجتَمَعَتْ أَنوارُ الكَونِ الأَزليةُ قُدّامَ الفُوَّهَةِ السَّوداءِ
وَسِرتُ أَنا وَحدي مَجذوبًا نَحوَ البُؤْرَة
أَستَوْحِشُ لا أَسْمَعُ غَير نَشيجي وَبُكائي
يَنهَرُني أَجْلَفُ مَخْلوقاتِ الأرضِ فَأصْمِتُ وَحدي، وَأَلوكُ الكَلماتْ
القابعُ خَلفَ حُدودِ الصمتِ صديقي ماتْ
لو تُبقي لي ساعةَ وَجْدٍ أَتَقَيَّأُ
مِلءَ الكَونِ وَأُخْرِجُ من صَدْري غِلّا لا يَنْضَبُ
حَتّى لَو زَرَعوا في صَدري نَخْلةْ
لا يَرْحَلُ عَنّي وَجَعُ الأيّامِ ولا
أَسْتَوْطِنُ في كَبِدِ الشّمْسِ ولا أَسْتَبقي لي من تَعَبي ساعةَ صَمتٍ وَطُمَأنينةْ
أَتَنَهّدُ مِلءَ الدارِ أُخَبِّئُ جُرحي داخلَ قِنّينَةْ
لَوْ تُبْقي لي ساعةَ وَجْدٍ أَتَقَيَّأُ مِلءَ الكَونِ
أَفيضُ عَلى حارَتِنا الأولى ذاكرةً أقوى مِن جَريانِ النَّهْر،
وَتَهْويمِ الحشراتِ عَلى صَحْنِ الحَلوى أَعرِفُ...
جَرَّدَني رَبّي لكنّي أَصنَعُ سَيفًا لا يَجْرَحُ لَحْمَ الناسِ
وَلكِنْ يَعْزِفُ أُغْنِيَةً تَستَنزِفُ ماءَ الوَجهِ الباقي
في آخِرِ عِرقِ دَمٍ لَمْ يَجْعَلهُ الربُّ قُيودا
أَعْرِفُ أِنّي في الحالِ أَنا أَغدو لا شيءَ
إِذا ما أَوقفتُ غِنائي،
وَلِذا يَتَمَزَّقُ صَوْتي في سِرْدابِ الصَّمتِ وَمَعْمَعَةِ الكَلِماتْ
لا أَتَوَكَّأُ أبدًا فَوقَ رَغيفِ الخُبْزِ
وَلكِنّي أَحيا في أرضِ مَواتْ
أَتَسْمعني يا هذا الوعدُ الأَبعَدُ
مِن بَسمَةِ شَفَةٍ صادقةٍ في زمنِ الزِفْتِ الأَسوَدِ والكَذِبِ الداكِنْ
لَو تُبقي لي ساعَةَ وَجدٍ أَسْترخي
فَوقَ غُثاءِ العُمرِ وَأَبعَثُ فِيهِ بَعْضَ حَياة
وَأَنا اللّحظةَ لا شيءَ وَلا حَتّى صَوتٌ
ذابَ وَلمْ يُبْقِ سِوى رَجْعٍ يَتَراقَصُ قُدَّامَ قُبور
الثُّوَّارِ وَلا قُدّامَ الهمِّ وَلا قُدَّامَ التُّرَهاتْ
أَسْتَوْحي في مُرِّ الأَيّامِ جُنوني أَنْ يَحْيا وَيُقيمَ الأَمواتْ
لَو تُبْقي لي ساعةَ وَجْدٍ أَتنهَّدُ
مِلءَ الدارِ أُوَسْوِسُ حَتّى أَجْمَعَ كُلّ شَياطِينِ
الأَرضِ على شُعْلَةِ ناري وَأوقِدُ مِن هَمّي قِنديلًا شَتويًّا
أَسْتَظْهِرُ مِنْهُ طَريقَ الأصبعِ عَبْرَ المزمارِ وَرَجْرَجَةَ الكأْسِ
عَلى شَفَةٍ تُقْرِؤُني أَخْباري
يَسْتَوْحِشُ هذا القابِعُ في كَبِدي وَيَموجُ الصّوتُ وَيَكْبُرُ
حَتّى أَسْتَأْنِسَ بَعْضَ الزُّوّارِ
حَبيبةُ إِنّي أَعْرِفُ ما آلَ إِليهِ الدَّمْعُ
المغرورقُ في عَيني والعِفْريتُ المَحْبوسُ عَلى بَوَّابةِ داري
لَو تُبقي لي ساعةَ وَجْدٍ أَتَقَيَّأُ مِلءَ الكَوْنِ
أُبيحُ مِنَ الحُرُماتِ المَجْنونَةِ ما يُورِقُ أَغصانَ العُمرِ
وَأُخْرِجُ مِن جَوفي كَومَةَ جَمْرِ وَأُحَلِّقُ،
لا يَستُرُني إلّا ظِلُّ الأَشياءْ
لو تُبقي لي ساعةَ وَجدٍ أَتَنَهَّدُ مِلءَ الدارِ
وَأَستودِعُ خَيْطَ الأَمَلِ الباقي أَحضانَ العُشّاقِ المُرتَحِلينَ
على أَبوابِ الدُّنيا المأهولةِ بالخوْفِ وبالمأساة
وأنا أدري هذا النَّهرُ الآسنُ مِن أَلفٍ ما غَيَّرَ مَجراهْ
لا بُدَّ سَأَنعَطِفُ الآن إلى الدَّربِ الموحِلِ كَي أَنصُرَ صَوْتَ الله