لمن أغنّي؟ وما في الدار مستمعُ
وكيف أُنشِد والسُمّار قد هجعوا؟!
لو كنت أملك ما يُغري أخًا لهمُ
من فيض مالٍ لضجّت حوليَ البِدَع
أو كان لي سندٌ تُرجى فضائلُه
أو ذو نفوذٍ به القامات ترتفع
أو كنتُ سمسارَ فكرٍ باع مبدأَهُ
أو كنتُ ممن بخفض الهام يقتنع
لكان شعري على الأفواه أغنيةً
تُرضي المحبَّ، وتشفي من به وجع
نزَّهتُ شعري، وصنت الحرف من زللٍ
وصُغت لحني سلافًا كأسه تَرِع
بِكرٌ حروفي إذا استوثبتُها وثبَتْ
وجامحُ الحرف بالجُلَّى له ولَع
يداعب النجمَ بالأنغام يأسره
بمرهَفِ اللفظ، حيث الذوقُ يرتفع
ليقطفَ الزهر صوّاغًا لقافيةٍ
هي الشرودُ، وفيها للحِجا مُتَع
لمن أغنّي؟ وبعضُ الناس يُطربهم
غَثُّ القريض ولغوٌ نسجُه مِزَع
والشعرُ كالخمر يجلو هَمَّ شاربه
إن كان صِرفًا وإلا نغَّصت جُرَع
أو أنه الشمس دفئًا غامرًا وسنًا
يستخلص الحق ممن بالأنا طُبعوا
كالماء عذبٌ إذا طابت منابعه
فيه الحياةُ ومنه الخير يُرتجع
إن مسّه كدرٌ أو شابه وضرٌ
أضحى أُجاجًا به من غُصَّةٍ هلع
يا وارف الشعر والنعمى تظلِّلني
أفضْ عليَّ الرؤى فالصدرُ يتّسع
هَوِّمْ كما الطيبِ حرفًا أزغبًا ألِقًا
إن شفّه النور خلتَ الغيمَ ينقشع
وانسُجْ مشاعرَ كالأنسام رقّتُها
واعزفْ لحونًا تواسي من به فزَع
واسكبْ نداك تعابيرًا مجنّحةً
تُغْني مشاعرَ من يصغي ويستمع
لولاك والحبُّ ما رقّت طبائعنا
ولا سمونا على مَن حقدَهم زرعوا
حسبي من الشعر ثَرٌّ منه يعشقني
ويهجر الشعر مَن أوصالَه قطعوا
كالبحر يلفظ ما يغشاه من زَبَدٍ
والدُرُّ يبقى لمن بالدرّ ينتفع
لمن أغنّي؟ ودفقُ الشعر يُرغمني
على التغنّي كما الأمواجُ تصطرع؟!
تطغى المشاعر كالبركان هادرةً
تجتثُّ صبري، وبعضُ الصبر يُنتزع
ويخلد الوحي ما أبقاه لي جَلَدي
فأغرف الشعر أُرضي من له سمع