أراكَ كابدتَ وجدًا زائد الضَّرمِ
مما ألمَّ كثير النّوح من ألمِ
ومثل مدمعك المحمرّ لم أشمِ
أمن تذكر جيرانٍ بذي سلمِ
مزجت دمعًا جرى من مقلةٍ بدم
فصرت في لوعةٍ أعيتك لازمةِ
وأنةٍ من كمين الشوق دائمةٍ
أبكاك من فرط وجدٍ شوق باسمةٍ
أم هبّتِ الريح من تلقاء كاظمةٍ
وأومضَ البرق في الظلماء من إضَم
متى صحا القلب يومًا من هواه متى
ومنك كم عبرةٍ مع زفرةٍ رَبَتَا
إن كنتَ تُنكر حبّاً بعد ما ثبتا
فما لعينيك إن قلت اكففا همتا
وما لقلبك إن قلت استفقْ يهمِ
هيهات فالوجدُ في الأحشاء يضطرمُ
ما أطفأته دموعٌ منك تنسجمُ
تريد أن يتوارى والورى علموا
أيحسب الصبّ أن الحبَّ منكتمُ
ما بين منسجمٍ منه ومضطرمِ
فكم على منزلٍ للظاعنين خلي
تبكي بطرفٍ يميل السّهد مكتحلِ
فوالذي زان غصن القَدِّ بالمَيَلِ
لولا الهوى لم تُرق دمعًا على طللِ
ولا أرقتَ لذكر البان والعلم
العينُ منك لنجم الليل قد رصدتْ
بالوجد من دمعها المنهلِّ ما جمدتْ
وبالسقام براهين الغرام بدت
فكيف تنكر حبّاً بعدما شهدت
به عليك عدول الدمع والسقمِ؟
قد شرَّدَ السهدُ من أجفانك الوسَنا
والعظمُ من هول بأس الحبِّ قد وهنا
وأوسعَ القلب تبريح الهوى شجنا
وأثبت الوجد خَطَّيْ عَبرةٍ وضنى
مثل البهار على خَدّيك والعَنَمِ
وسائلٌ ليَ والأشواق أحرقني
منها الزفيرُ وبحر الدمع أغرقني
أجبته ولذيذ النّوم فارقني
نعم سرى طيف من أهوى فأَرَّقَني
والحبُّ يعترض اللذاتِ بالألم
لقد وجدت طريق اللوم مقفِرةً
من القبول وأُذْنَ الحِبِّ موقَرةً
وأعينَ العذر لو أبصرتَ مبصرةً
يا لائمي في الهوى العذريِّ معذرةً
مني إليك ولو أنصفتَ لم تلم
أنا حليف الهوى والوجد والسهرِ
وأنت خالٍ من التبريح والفكرِ
والفرقُ ما بيننا بادٍ لمختبر
عدتك حاليَ لا سِرّي بمستترِ
عن الوشاة ولا دائي بمنحسم
هل شِمتَ صبّاً عن الأحباب يمنعُهُ
عذلُ العذول ولو في الحبِّ مصرعُهُ
وهل سمعت بنصحٍ عنه يردعُهُ
مَحَضْتني النصح لكنْ لست أسمعُهُ
إن المحبَّ عن العذّال في صمم
إن لم أكن من بياض الشّيب في خجلِ
ولم أُبيّضْ به ما اسوَدَّ من عملي
فهل وعذري الهوى العذريُّ تنصح لي
إني اتّهمت نصيحَ الشّيب في عَذَلي
والشّيبُ أبعد في نصحٍ عن التهم
كم ذا ينبّه نفسًا وهي ما لحظتْ
إلا لغيٍّ وللإرشاد قد لفظتْ
فما المغالاة في لومي ولو غلظتْ
فإن أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت
من جهلها بنذير الشّيب والهرم
ومن مناهي الملاهي قد جنت بطرا
وكم قضت من مناها في الهوى وطرا
وما انتهت عن قبيحٍ ما انتهت كبرا
ولا أعدَّتْ من الفعل الجميل قِرَى
ضيفٍ ألمَّ برأسي غيرِ محتشم
هو النذيرُ بموت المرء ينذرُهُ
عساه يقبل ما يَنْهَى ويأمرُهُ
لكنَّ عيبيَ مَعْهُ ظَلْتُ أُظهرُهُ
لو كنت أعلم أني ما أوقّرُهُ
كتمتُ سرّاً بدا لي منه بالْكَتَم
لو كنتُ هذَّبت نفسي في بدايتها
كنت اجتنيت فلاحي في نهايتها
أهملتها فتعاصت عن هدايتها
من لي بردّ جماحٍ من غوايتها
كما يُرَدُّ جماحُ الخيل باللّجم
أسأتَ نفسك في إعطاء بُغْيتها
بما أبحت لها من نيل لذَّتها
إنْ رُمْتَ إنقاذها من أسر شِقْوتها
فلا تَرُمْ بالمعاصي كسرَ شهوتها
إنّ الطعام يُقوّي شهوة النهم
فاعرفْ دواءك واعرف قبله العِللا
فالمرءُ لو يتسلَّى عن هواه سلا
وإن تَعَوّدَ أعمال التُّقى عملا
والنفسُ كالطفل إن تُهمله شبَّ على
حبِّ الرضاعِ وإن تفطمه ينفطم
خلِّ الحجا قاضيًا والدينَ مفتيْهِ
والنفس خادمه إن كنت مُعليهِ
وإن دعاك الهوى يومًا لتدليه
فاصرفْ هواها وحاذر أن تولّيه
إن الهوى ما تولّى يُصمِ أو يصمِ
وإن بدت لك يومًا وهي عازمةٌ
على التُّقى وبفعل الخير هائمةٌ
لا تغتررْ إنها للسوء رائمةٌ
وراعِها وهي في الأعمال سائمةٌ
وإن هي استحْلتِ المرعى فلا تُسِم
فقد تكون بأعمالٍ مخاتلةً
تجرّ من كيدها للمرء غائلةً
فلم تزل لدواعي الشرّ مائلةً
كم حسّنت لذةً للمرء قاتلةً
من حيث لم يدرِ أن السمَّ في الدسم
فاحذْر غوائل ما تأتيه من بدعِ
ونقِّ قلبك من غِلٍّ ومن طمعِ
ولا تنم أبدًا إلا على فزعِ
واخشَ الدسائس من جوعٍ ومن شبع
فربَّ مخمصةٍ شرّ من التخم
واندبْ أويقاتِ لهوٍ في المشيب رأتْ
منك التصابيْ ونفسًا عن هداك نأتْ
والبسْ ثيابًا لها أيدي التقى رفأتْ
واستفرغِ الدمع من عينٍ قد امتلأتْ
من المحارم والزمْ حِمية الندمِ