لِمَنِ الديارُ بحالها المُتحوِّلِ
ما بينَ نأْيٍ أهلُها وترحُّلِ
دارت عليها الدائراتُ دوائراً
وقضى الزَّمانُ بموتِها المُتعجَّلِ
أخشى عليها من صروفِ حوادثٍ
ووشايةِ الأيَّامِ ما لم تنجل
فَلها على طول الزَّمانِ معزَّةٌ
ومكانةٌ في النفسِ لم تتبدَّلِ
سقفٌ وجدرانٌ وأبوابٌ لها
لكنَّها كالقَفرِ لم تتجمَّلِ
ناديتها والصوتُ منِّي متعبٌ
بهوىً مُعَنَّىً في النوى ومُعلَّلِ
يا دارُ هل ألقى لديكِ مُعَوَّلي
أم إنَّ دأبي في الهوى لم يُقبَلِ
ماكنتُ أحسبُ إِنِّني إن زرتها
سأرى الديارَ سراةَ ألف تقلقلِ
من بعد أنْ قالَ الجميعُ بأنَّها
عرسُ الزَّمانِ وقبلةُ المُستقبِلِ
أمست خراباً لا يكونُ فِنائُها
إِلَّا ملاذَ مُشرَّدٍ مُتسوِّلِ
كانت لها شيماءُ خيرَ أنيسةٍ
وجليسةٍ في الدارِ لم تتجوَّلِ
تروي قُبَيلَ مُسلسَلٍ أَحداثَهُ
وتعيدهُ من بعدِ كُلِّ مُسلسَلِ
تحكي فتمتلئَ الديارُ بشاشةً
وَتَمورُ ضحكتُها كريحٍ شَمْأَلِ
وترى خُطى شيماءَ مِثْلَ غزالةٍ
تمشي الرواقَ بِساقِها المُتحجَّلِ
وأنا المُحَاوِلُ أن أنالَ وصالَها
فتصدُّني وتقولُ لي لا تفعلِ
واعلمْ أيا ابْن الناسِ أَنِّي مُهرةٌ
ونوالُ مثلي لا يصحُّ بِمعزلِ
وأنا الَّتي لا تستطيعُ حيالها
إلَّا بحبوةٍ مُعرِسٍ مُسْتبعِلِ
فأجبتها واللهِ إِنِّي طالبٌ
يدكِ الكريمةَ في الحلال المُحلَلِ
لا تحسبيني عاشقاً متطفِّلاً
أنا لستُ ممَّنْ قد هوى بتطفُّلِ
أنا لستُ ممَّنْ كان في أخلاقهِ
يغوي النساءَ بحيلةِ المُتحيِّلِ
إنَّي امْرُؤٌ بينَ الرجالِ مُكَرَّمٌ
و مؤثَّلٌ ومِنَ الرعيلِ الأَوَّلِ
قالت فَمَهْرُ الغانياتِ تذلُّلٌ
فاذا أردتَ القربَ منِّي فاذْللِ
وإذا امْتنعتَ فلا كلامٌ بيننا
وارحلْ إذا ما شئتَ أو لا ترحلِ
فأجبتها يا بنت خير عمومةٍ
إنِّي بغيرِ اللهِ لم أتوسَّلِ
عندي لسانٌ في النَّسيبِ مُعسَّلٌ
لكنَّهُ في الذمِّ مثل الحنظلِ
سأقول فيكِ مقالةً لا ينبغي
من فاحشٍ في الشعرِ أو مُتغزِّلِ
كوني معي امرأةً تبادلني الهوى
و دعي التعنُّتَ جانباً و تعقَّلي
وإذا تَصادفَ في العشيرةِ مَحفلٌ
فضعي النقابَ تستُّراً وتكحَّلي
فأنا المُعَنَّى في الهوى يقتادني
دبُّ السوادِ سراةَ طرفٍ أكحلِ
ما كان يَحتملُ الكريمُ مشقَّةً
لا تُحمليني الهمَّ ما لم أحملِ
إِذما رأيتُ من النساءِ تواضعاً
سيكونُ لي وقعُ المحبِّ المُبْذِلِ
ويكون لي قلبٌ ويسعى جاهداً
مِنْ أن توافيني بحالٍ أفْضَلِ
قالت فدعني أن أُشيرَ لُبانتي
وأرى التصرُّفَ كي أُبتَّ بِمَسْأَلِ
وغداً لنا قولٌ ووعدٌ يُرتجى
لا تلتمسْ منَّي و لا تتعجَّلِ
فعجبتُ مِمَّا جاءَ في أقوالها
وحسبتُ تلكَ مكِيدةً لن تنطلي
ما أن يُصار إِلى المساءِ فسارعي
وتحيَّني الأَوقاتِ ثُمَّ وَ عوِّلي
فالليلُ أحلى ما يكونُ تواصلاً
والليلُ أَوْلَى بالمُحبِّ المُوصِلِ
والوصلُ ما بينَ الأحبَّةِ واجبٌ
لا منَّةٌ مِن عاشقٍ مُتفضِّلِ
جاءت على ما كان مِن ميعادها
وكأنَّها نجمٌ تَدَلَّى مِنْ علِ
وكأنَّها مهتوكَةٌ سربالها
ما إنْ أتيتُ حيالها تتسربلِ
نورٌ وإشراقٌ وإِجمالٌ بها
تمشي الهوينا مشيةَ المُتمهِّلِ
بِعباءةٍ عربيَّةٍ مِنْ تحتها
جَسدٌ تجرَّدَ من ثيابِ المَنزِلِ
وأَراهُ ذا تَرِفٍ وألمسُ ناعماً
وأجودُ في نفسي ولم أَتحمَّلِ
ألقت عليَّ ذراعها كَقِلادةٍ
وتحيطني في مخدعٍ لم يُحلَلِ
و أَبَت تجودُ بِلَثمةٍ من ثغرها
حتَّى تراني كاليمينِ بأشوَلِ
ودنت إليَّ وساومتني نفسها
أرضى على شَرطِ الكلامِ الأوَّلِ