_إن كل ذرة من ذرات العالم أسيرة القدر ، و التدبر ما هو إلا حجاب العجز و قلة الحيلة .
_فالسماء مجبرة ، و الشمس و القمر مجبران كذلك ، و النجوم مضطرة للسير و الحركة .
_عاقبة كأس البرعم في الحديقة هو التحطم ، و الأعشاب و الورود أيضاً مضطرة على النمو في الحديقة .
_إن كل شيء أسير لهذه السلسلة التي أخضعت العالم ، سواء كان ذلك نغمة البلبل أو صوت الضمير الصامت.
_ و عندما تشاهد العين سر الجبر يجف سيل الدموع المنهمر في القلب .
_ و لا يظل رقص الطرب و الحزن في القلب الإنساني و تبقى النغمة ، و لكنها تفقد تأثيرها .
_و العلم و الحكمة هما كقاطعي طريق متاع الدموع و الآهات ، و القلب اللبيب كقطعة الماس .
_مع أن روضتي ليس بها نضارة الندى ، و تفتقر عيني إلى الدموع الدامية .
_فإنني أعرف الآهات و سر الآلام البشرية ، و نغمة فطرتي تخلو من صوت الشكوى .
_ليس على شفتي قصة عوارض الدهر ، و قلبي ليس بحيران و لا ضاحك و لا باك .
_ إن صورتك تدفعني للبكاء المستمر ، وا أسفاه ! فهذا يعوق حكمتي المحكمة .
_إن أساس الروح المستحكم هو من البكاء المتواصل ، و يخجل العقل القاسي عندما يعرف الألم .
_و مرآتي مضيئة بموج دخان الآهات ، و كنفي عامر بكنوز العبرات .
_إنني مندهش امام إعجاز تصويرك ، فقد غيرت اتجاه طيران الزمن .
_و كأنها أتت بالماضي و الحاضر معاً ، و أعادت إلي ذكريات مرحلة الطفولة .
_و عندما كانت هذه الروح الضعيفة تتربى في كنفك ، لم يكن لسانها محرماً للحديث معها بشكل جيد .
_و الآن اشتهرت بعذب حديثها ، و صارت جواهر عينيها لؤلؤاً ثميناً .
_إن الكلام العلمي الرصين نتيجة الإحساس بالشيخوخة و العظمة و العزة الدنيوية و غرور الشباب .
_ و نهبط من مواضع هي أوج الدنيا ، و تطل كطفل بريء في صحبة أمه.
_و نطلق الضحكات بلا تكلف و نتحرر من التفكير ، و نعمر الفردوس المفقود مرة ثانية .
_آه فمن عساه ينتظرني الآن في الوطن ؟ و من سيظل مضطرباً لأن خطاباتك لم تصل إليه ؟
_سأصل إلى تراب قبرك بهذه الشكوى ، فمن سيذكرني الآن في دعاء نصف الليل .
_نتيجة تربيتك صرت اشاطر النجوم رفعة ، و صار بيت اجدادي متاعاً للعزة و الجاه .
_لقد كانت حياتك ورقة ذهبية في دفتر الوجود ،و كانت حياتك بأسرها درساً للدين و الدنيا .
_و ظل حبك في خدمتي طوال عمرك ، و لكنك رحلت عندما صرت جديراً بخدمتك.
_إن ذلك الشاب الذي تشبه قامته السرو ، قد أفاد من خدمتك له أكثر مني .
_و كان مصاحباً لي في شؤون الحياة ، كان ساعدي و شبيهاً لك في المحبة .
_فهو يبكي عليك مثل طفل صغير بلا حيلة ، و ينوح عليك صباحاً و مساءً بعد أن فقد صبره .
_إن البذرة التي زرعتها في حقل روحنا أثمرت ، و قد قوي عودها بمعايشة الهموم .
_آه إن هذه الدنيا كمنزل المأتم على الشيخوخة ، أي سحر هذا الذي جعل الإنسان أسيراً للأمس و الغد؟ .
_كم تكون الحياة صعبة و كم يكون الموت سهلاً ، فالموت رخيص في حديقة الحياة كالنسيم .
_و كم من أخوات و أمهات الدهر ، من زلازل و صواعق وقحط و آلام .
_و الموت يدركنا سواء أكان في كوخ الفقر أم في قصر الغنى ، و هو في الصحراء و في المدينة و في الروضة و في الخرابة .
_إن ثورة الموت كامنة في قلزم الصمت ، فالسفن تغرق في حضن الموج .
_فلا مجال للشكوى و لا طاقة للحديث ، ما الحياة ؟ إن هي إلا طوق يخنق العنق .
_فليس في القافلة إلا رنين الجرس ، و ليس لدينا من متاع سوى العين الدامعة .
_و سوف تنتهي الحياة لكن دور الامتحان قادم ، و هناك أدوار أخرى خلف حجب السماء .
_فماذا نفعل لو أن الورد و شقائق النعمان شقوا الصدور ، و البلابل مجبرة على البكاء و العويل .
_إن الفسائل التي تأسر آهات الخريف في القفص ، سيجعلها نسيم الربيع الخالد خضراء .
_و ماذا نفعل لو نام شرارنا على التراب العاري ، و لو صارت حفنة التراب هذه محملاً عارضاً .
_ إن نهاية نار الحياة بلا تراب ، و هي ليست الجوهرة المقدر لها أن تتحطم .
_ فهل الحياة محبة في عين القدرة إلى هذا الحد ، حتى تتوفر الرغبة في الحفاظ على الحياة في طبيعة كل الأشياء .
_لو أن محو آثار الحياة بيد الموت ، ما عم ذلك نظام الكائنات .
_و لو أنه رخيص فإنك تدرك أن الأجل ليس بشيء يذكر ، فهو كالنوم الذي لا يحدث خللاً في الحياة .
_أيها الغافل إن سر الموت الخفي شيء آخر و عدم ظهور الصورة للعيان شيء آخر .
_و مشهد الجنة كرسم الهواء على سطح الماء ، و بعد أن تتحطم الأمواج المتلاطمة يتكون الحباب .
_ثم يختفي تحت ذيل الأمواج ، و يزيل آثاره بقسوة .
_فلولا وجود الحباب ما تكون الحباب ، و لما كان الهواء غير مكترث بتحطيمه هكذا .
_فما أثر هذا الطراز على شكل البناء ؟ فهذا دليل على قوة البناء لدى الهواء .
_و إلا ما كانت طبيعة الحياة شهيدة الأماني ، و لا ظلت تبحث باستمرار عن أجمل شكل .
_آه ، إن النجوم المضطربة كالزئبق تضيء السماء ، و هذه الجذوات من النار تدين لليل في حرقتها .
_و هي جزء من العقل ، و سيرة الجنس البشري ما هي إلا ساعة منها .
_و هذا الإنسان الذي يولي نظره شطر السماء هو أطهر من الملائكة في الأهداف .
_و هو كالشمع المضيء في مجلس القدرة ، و السماء نقطة واحدة أمام سعة فطرته .
-و الذي يضطرب جهله من أجل الحقيقة ، و أظفره مضراب لقيثارة الحياة .
_فهل هذه الشعلة كذلك أقل من شرر السماء ؟ و هل يمكن أن تكون شمسنا أقل قيمة من النجوم ؟
_إن عين بذرة الوردة بلا نوم تحت التراب ، و لا يقر لها قرار من أجل الظهور و النمو .
_إن شعلة الحياة كامنة في هذه البذرة ، و هي مضطرة لإظهار ذاتها و تنمية نفسها .
_و لا تستطيع أن تنجو من برودة المرقد ، و لا يمكنها أن تفقد حرقتها بعد أن تطمر في التراب .
_إنها تنبت من قبرها في هيئة وردة ، و كأنها أخذت عباءة الحياة من الموت .
_و يجمع اللحد هذه القوة المبعثرة ، فتلقي بوهجها على عنق الفلك .
_اسم الموت تجديد مذاق الحياة ، و هو رسالة اليقظة خلف أستار النوم .
_و من تعود الطيران لا يخاف من الطيران ، و الموت في هذه الروضة ما هو إلا بسط الأجنحة .
_و يقول الناس إن ألم الأجل بلا دواء ، و جرح الفراق يشفى بمرهم الأيام .
_إلا أن القلب الذي يعشش فيه الحزن على الموتى ، يكون حراً من قيود الصباح و المساء .
_و لا يعبأ عويل المأتم بسحر الوقت، فالوقت ليس مرهماً لجرح سيف الوقت .
_و عندما يحل بالإنسان كره مباغت ، تنهمر العبرات مهراقة من عينيه .
_و يتعلق القلب بالبكاء و العويل ، و دماء القلب تتدفق من العيون العامرة بالدموع .
_و مع أن المرء محروم من قوة الصبر ، فإن هذا الإحساس مجهول في فطرته .
_إن جوهر الإنسان لا يعرف العدم ، فهو يغيب عن الأعين لكنه لا يفنى .
_و متاع الحياة يصير تراباً من شعلة الغم المستعرة ، و لا تنطفئ هذه النيران إلا بماء هذا الإحساس اللطيف .
_آه إن التحكم في العويل لا يعد من صمت الغفلة ، و مواساة القلب هي من المعرفة و ليست نسياناً .
_ و في اللحظة التي يتجلى فيها الصبح من ستائر المشرق تغسل وسمة الليل أذيال الأفق .
_ و ترتدي شقائق النعمان الذابلة عباءة النار ، و يصدح الطائر الأخرس و هو سكران .
_و تتحرر الأهازيج من سجن صدر البلبل ، و نسيم الصبح يعج بآلاف النغمات .
_و في النهاية يتعانق النائمون في الروضة و الجبال و الأنهار مع عروس الحياة .
_لو أن هذا قانون الحياة بحيث يأتي الصباح بعد كل مساء ، فلماذا لا يكون الصباح هو ليلة مرقد الإحسان ؟
_ إن شبكة خيالي الفضية تغطي العالم ، و قد جعلتني أسير ذكراك .
_إن قلبك المجرب للألم مفعم بالذكرى ، مثل فضاء الكعبة المليء بالدعاء .
_إن سلسلة الفرائض التي تسمى الحياة ، لها آلاف من مواضع التجلي و العوالم المتغيرة .
_و لكل منزل من منازل الحياة طريق مختلف عن الآخر ، و الآخرة أيضاً أحد منازل الحياة .
_و هناك مزرعة الموت ، ليس لها محصول ، و مناخ الآخرة ملائم لبذرة العمل .
_و نور الفطرة ليس أسيراً لظلمة الجسد ، و دائرة الفكر البشري ليست محدودة إلى هذه الدرجة .
_و كانت حياتك أكثر إشعاعاً من ضوء القمر ، و سفرك كذلك كان أبهى من نجم السحر .
_و كان مرقدك منيراً مثل إيوان السحر ، و قبرك الترابي كان عامراً بالنور .
_لتنثر السماء الندى و البرد على قبرك ، و ليحرس العشب الأخضر هذه المقبرة