تخطَّ إلى المحتوى

من لي إذا الليل أرخى حبل وحشته

غير معروف

٢٨ بيت

الرثاء

مَنْ لِي إِذَا اللَّيْلُ أَرْخَى حَبْلَ وَحْشَتِهِ؟

فَالرُّوحُ تَشْكُو غِيَابَ الأُنْسِ وَالسَّمَرِ

الذِّكْرَيَاتُ عَلَى الأَيَّامِ تَقْتُلُنِي

وَالصَّمْتُ مَوْتٌ عَلَى الأَرْكَانِ وَالجُدُرِ

أَشْتَاقُ صَوْتَكِ هَمْسَاً كَانَ يُؤْنِسُنِي

أَشْتَاقُ قَلْبَاً حَبَانِي الحُبَّ فِي صِغَرِي

يَا لَوْعَةً فِي حَنَايَا النَّفْسِ تَسْكُنُنِي

يَا حُرْقَةً لَيْسَ يُطْفِيهَا سِوَى القَدَرِ

كَمْ مِنْ دُعَاءٍ نَجَا قَلْبِي بِهِ وَسَمَا!

كَمْ مِنْ حَنَانٍ جَرَى كَالمَاءِ فِي النَّهَرِ!

فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لِلبَيْتِ أَلْمَحُهَا

فَفِي الفُؤَادِ لَهَا حُبٌّ بِلَا حَصَرِ

قَدْ أَوْحَشَ الصَّوْتُ مَنْ فِي الدَّارِ يَسْكُنُهَا

إِذْ غَابَ عَنْهُ أَرِيجُ الرَّوْضِ وَالزَّهَرِ

كَأَنَّ طَيْفَكِ يَمْشِي فِي دُرُوبِ دَمِي

يَا جَنَّةَ النَّفْسِ كَالأَنْسَامِ فِي السَّحَرِ

لَا شَيْءَ يُشْبِهُ هَذَا الفَقْدَ فِي أَلَمٍ

فَالقَلْبُ بَعْدَكِ فِي كَسْرٍ وَفِي نَجَرِ

وَالنَّفْسُ تَشْكُو فِرَاقَاً لَا انْتِهَاءَ لَهُ

إِلَّا بِلِقْيَاكِ يَوْمَ البَعْثِ والنَّشَرِ

مَا زَالَ طَيْفُكِ فِي عَيْنَيَّ مُرْتَسِمَاً

وكَيْفَ أَنْسَاكِ يَا نُورِي وَيَا قَمَرِي؟

بِاللهِ كَيْفَ لِعَيْنِي أَنْ تَنَامَ وَقَدْ

غَابَ الأَمَانُ وَضَاعَتْ بَسْمَةُ الثَّغَرِ؟

أَشْتَاقُ منك يَدَاً كَيْمَا أُقَبِّلُهَا

أَمْحُو عَنِ الرُّوحِ آثَارَاً مِنَ الضَّرَرِ

لَا طِيبَ بَعْدَكِ يَشْفِي القَلْبَ مِنْ وَجَعٍ

وَلَا حَيَاةَ تُعِيدُ المَاءَ فِي النَّهَرِ

يَا دَمْعَةَ الْعَيْنِ كُونِي شَاهِدَاً أَبَدَاً

عَلَى وَفَائِي وَشَوْقِي فِي دُجَى السَّهَرِ

فِي ذِمَّةِ اللهِ مَنْ كَانَتْ لَنَا قَمَرَاً

أَعْطَتْ مِنَ العُمْرِ حَتَّى سَاعَةِ الخَبَرِ

وَسَوْفَ أَرْفَعُ كَفِّي لِلسَّمَاءِ دُعَا

رَجَاءَ قَلْبٍ بِفَقْدِ الأُمِ ّمُنْكَسِرِ

أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِلرُّوحِ الَّتِي صَعِدَتْ

وَالقَدْرَ يَرْفَعُهُ مَعْ سَيِّدِ البَشَرِ

لَا حَوْلَ لِي بِفِرَاقٍ لَيْسَ يُمْكِنُنِي

إِلَّا دُعَاءٌ بِحَقِّ الصَّبْرِ فِي القَدَرِ

كُلُّ الطُّيُورِ إِذَا أَعْشَاشَهَا قَصَدَتْ

تُذَكِّرُ النَّفْسَ بِالتَّرْحَالِ وَالخَطَرِ

وَهَكَذَا الدَّهْرُ، لَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ

كُلٌّ سَيَرْحَلُ لِلدَّيَّانِ فَادَّكِرِ

فَالعُمْرُ مَاضٍ، وَهَذَا المَوْتُ مَوْعِظَةٌ

يَزِيدُ فِي القَلْبِ إِيمَانَاً لَدَى النَّظَرِ

فَلْيَصْبِرِ المَرْءُ إِنْ ضَاقَتْ مَسَالِكُهُ

فَالصَّبْرُ مِفْتَاحُ كُلِّ الخَيْرِ فِي العُسُرِ

وَكُلُّ نَفْسٍ لَهَا عَوْدٌ لِخَالِقِهَا

فَلْتَعْمَلِ اليَوْمَ لِلمِيعَادِ وَالسَّفَرِ

وَلَنْ نَعُودَ إِلَى الدُّنْيَا فَنَجْمَعَهَا

وَقَدْ أَضَعْنَا سِنِينَ الجَمْعِ وَالحَذَرِ

هَذِي الحَيَاةُ مَتَاعٌ سَوْفَ نَتْرُكُهُ

وَلَيْسَ فِيهَا مَقَامٌ غَيْرُ مُنْحَسِرِ

فَاجْعَلْ مِنَ المَوْتِ زَادَاً لِلتُّقَى أَبَدَاً

قَدْ جَلَّ مُدَّخَرٌ مِنْ هَوْلِ مُعْتَبَرِ

يَا رَبِّ فَارْحَمْ عِبَادَاً سَامَهُمْ وَجَلٌ

وَاجْعَلْ حِسَابَهُمُ يُسْرَاً بِلَا كَدَرِ