إِذَا الغَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ شَوْقُ صَوَادِعٍ
فَمَا المُزْنُ إِلَّا دِيمَةٌ ضَاعَ طِيبُهَا
وَلَذَّةُ نَيْلِ القَصْدِ بَعْدَ التَّلَظِّيَا
كَبَرْدِ زُلالِ الخَمْرِ شَابَ نُشُورُهَا
رَوَى الوَجْدُ مَنْ طَالَ انْتِظَارٌ بِقَلْبِهِ
فَمَا قِيمَةُ الأَسْقَى إِذَا ضَاعَ نُورُهَا؟
فَلا تَسْقِنِي كَأْسَ المُدَامَةِ بَغْتَةً
فَطِيبُ جِنَانِ الخُلْدِ رِيحٌ تَزُورُهَا
أَرَى الصَّبْرَ فِي بَيْدِ المَفَاوِزِ مَرْكَباً
بِهِ تَبْلُغُ النَّفْسُ العَزِيزَةُ دُورَهَا
فَمَا نِلْتَ مَحْبُوباً بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ
كَدُرَّةِ بَحْرٍ لَيْسَ يُدْنِي صُدُورَهَا
خَلِيلَيَّ كُفَّا عَنْ مَلَامِي فَإِنَّنِي
أَرَى فِي لِحَاظِ العَيْنِ قَصْراً وَحُورَهَا
لَهَا مَنْطِقٌ كَالشُّهْدِ يَنْسَابُ فِي الدِّمَا
فَيُحْيِي نُفُوساً قَدْ أَمَاتَ فُتُورُهَا
إِذَا أَسْفَرَتْ لَيْلًا تَبَدَّى لَنَا الضُّحَى
وَأَخْجَلَ ضَوْءَ النَّيِّرَاتِ سُفُورُهَا
تَمِيسُ دَلَالاً كَالغُصُونِ مَعَ الصَّبَا
فَسُبْحَانَ مَنْ بِالحُسْنِ زَانَ خُصُورَهَا
مَهَاةٌ تُعِيرُ الرِّيمَ طَرْفاً وَلَفْتَةً
وَقَدْ غَارَ مِنْ مَشْيِ القَطَاةِ نُفُورُهَا
هِيَ البَدْرُ فِي تَمٍّ وَالشَّمْسُ فِي بَهَا
وَقَدْ طَرَّزَ النَّجْمُ المُنِيرُ ثُغُورَهَا
بَعِيدَةُ مَهْوَى القُرْطِ، بَيْضَاءُ بَضَّةٌ
كَأَنَّ سَنَا البَرْقِ اللَّمُوعِ نُحُورُهَا
مَلِيكَةُ عَرْشِ القَلْبِ لَا عَرْشَ غَيْرُهَا
تَحُفُّ مَلَائِيكُ السَّمَاءِ قُصُورَهَا
عَفِيفَةُ أَثْوابٍ، رَزَانٌ، كَرِيمَةٌ
تُضِيءُ دَيَاجِيرَ اللَّيَالِي عُطُورُهَا
رَمَتْنِي بِأَلْحَاظٍ كَأَنَّ نِصَالَها
سِهَامُ مَنَايَا قَدْ أُصِيبَ نُحُورُهَا
فَلَوْ نَظَرَتْ صَوْبَ الجَمَادِ لَأَوْرَقَتْ
صُخُورُ الفَلا وَاسْتَبْشَرَتْ مَطْمُورُهَا
لَهَا سَطْوَةُ الآسادِ فِي لِينِ طِفْلَةٍ
وَقَدْ ذَلَّ مِنْ كِبْرِ المُلُوكِ غُرُورُهَا
بُعِيدُ مَنَالٍ لَا يُرَامُ جِوارُهَا
وَإِنْ هِيَ جَادَتْ، عَزَّ فِي النَّاسِ خُورُهَا
فَهَذِي الَّتِي صِيغَ الجَمَالُ لِأَجْلِهَا
وَحَارَتْ عُقُولُ الخَلْقِ، عَيَّ سُطُورُهَا