جُلْ جولةً في الريفِ وانظرْ هل ترَى
غيرَ الجمالِ بساحتَيْهِ نزيلا؟
فهنالك الدنيا تتيهُ جلالةً
وتجرُّ من ضافي الجلالِ ذُيولا
صاغَ الجمالُ لها الزبرجدَ بُردةً
والزَّهرَ عِقدًا، والضُّحا إكليلا
فغدتْ لعشّاقِ الطبيعةِ فتنةً
وعلى المليك محجَّةً ودليلا
طابَ الهواءُ به، فطاب إقامةً
وجرتْ جداولُه، فرَقَّ مَقيلا
خلعتْ عليه النيِّراتُ ثيابَها
قُشُبًا وحلَّتْ في رُباه حُلولا
وصَفَتْ مناظرهُ فكان صفاؤُها
بشفاءِ أدواءِ النفوسِ كفيلا
والماءُ كالمرآةِ يبدو سطحُه
مُتموِّجًا، أو كالحُسام صقيلا
يجري كأسلاك اللُّجَينِ إلى القرى
من كوثرٍ سمّاهُ «مِينا» النيلا
والسحرُ حلَّقَ في سماءِ ربوعِهِ
وعلى ثراهُ مشَى ، فكان حُقولا
شَرَكُ الخواطرِ والقلوبِ، ومُجْتلًى
للعبقريَّةِ بكرةً وأصيلا
جناتُ عَدْنٍ فُتِّحَتْ أبوابُها
لمن استطاعَ إلى النزوح سبيلا
لا تستبينُ العينُ في أرجائِها
إلا المحاسنَ مُثِّلتْ تمثيلا
تتعانقُ الأغصان نشوَى مثلما
قد عانقَ الخِلُّ الوفيُّ خليلا
والزهرُ داعبَهُ النسيم وقد سرى
بين الخمائلِ والرياضِ عليلا
والأقحوانُ على الرُّبا مُتضاحكٌ
والريحُ تجري شمْأَلاً وقَبولا
والوردُ بسّامٌ يروعُكَ كلَّما
شاهدتَه فوق الغصون شُكولا
وهفا الأريجُ فأطفأت أنفاسُه
بينَ الجوانح والضلوعِ غَليلا
وسرى النشاط إلى النفوس، فلا ترى
بينَ الحقول أو الرياض خمولا