راعني الشيبُ مذ أناخَ ركابَهْ
فوق رأسي، وقد لمحتُ حِرابَهْ
مُشرقاتٍ كأنهنَّ نجومٌ
بين ليلٍ هتكْنَ منه حجابَه
يستحِثُّ المنونَ عدْوًا، ولمّا
نسأمِ العيشَ أو نمَلّ طِلابه
يا رسولاً وليس إلا نذيرًا
فوق هامِ الرِّقابِ يتلو كِتابَه
يُنذرُ المرءَ بالفناء ويمضي
يحفرُ القبرَ، أو يُهيلُ ترابه
كلُّ مَنْ في الوجود هلْكَى، ولكن
آفةُ الهُلْكِ أن تُجرَّعَ صابَه
يا لَقومي، ويا لَصحبي، ووُلدي
لقتيلِ الشبابِ يرثي شبابه
زاره الشيبُ في ربيعِ صِباه
فلوى غصنَه، وأنشَبَ نابَه
وغزا ليلَه البهيمَ، فولَّى
منه ذعْرًا وما أطاق غِلابه
وسوادُ العيون ذابَ، وذابتْ
حبَّةُ القلب لم تغادِرْ صُبابَه
لا تلوموه إن عراهُ ذُهولٌ
واعذروهُ فما أشدَّ مُصابَه
واتَّقوا اللهَ، لا تقولوا نهارٌ
أو وقارٌ، أو عفَّةٌ، أو مهابه
أو رياضٌ تفتَّحَ النَّوْرُ فيها
تشرحُ الصدرَ أو تُسرِّي اكتِئابه
إنما الشيبُ جذوةٌ من لهيبٍ
تأكلُ الجسمَ عظْمَهُ وإهابَه
يا شبابي، وأين مني شبابي؟
لست أنسى نعيمَه أو حَبابَه
وكؤوسًا رشفْتُهنَّ رحيقًا
في زمانٍ رشفتُ فيه رُضابه
بين شَرْبٍ من الرفاقِ كرامٍ
إن توارى الشرابُ - ماتوا صَبابه
كبدورٍ تُظلُّهنَّ سماءٌ
في وِدادٍ وألفةٍ وصَحابه
لا يرون الحياةَ إلا متاعاً
واجبُ المرء أن يصيبَ لُبابه
ولباسُ الحياةِ جدُّ قصيرٍ
ومتاعُ الشبابِ برقُ سحابه
وشموسٍ من الكواعبِ غِيدٍ
يَجْتلبنَ الهوى، ويفتحنَ بابه
ناعساتِ الجفونِ، لولا لحاظٌ
ما أصابَ الحديدَ إلا أذابه
راوياتٍ من النعيم، تراءتْ
مثلَ زهرِ الرُّبَا إذا الطلُّ صابَه
ناعماتٍ، قُدودهنَّ غصونٌ
ضربَ الحسْنُ فوقَهنَّ قِبابه
باسماتٍ، تُريكَ دُرّاً نضيدًا
يفضحُ الصبحَ لو يَقُدُّ نِقابه
آمراتٍ كأنهنَّ ملوكٌ
فوق عرشِ الجمال تجلو رِحابه
وعُروشُ الجمالِ ذوبُ لُجَينٍ
وقلوبٌ من الغرام مُذابه
غازياتٌ، فكم على الروضِ صرعَى
يا صريعَ الغرامِ، صِفْ لي شرابه
لاهياتٌ، وما همَمْنَ بأمرٍ
يُغضبُ الحرَّ أو يُثيرُ ارتيابه
دانياتٌ إلى القلوب ولكنْ
دونَكَ الجوَّ، فابغينَّ عُقابه
جمِّلِ النفسَ بالفضائل واجعلْ
منك للطُّهْرِ والعفافِ رَقابَه