قلَّ النَّظيرُ وقَصَّرَ التَّجْدِيدُ
وتَكَاثَرُوا جِدّاً وأنتَ وحيدُ
ما لانَ عودُكَ في خُطُوبٍ جَمَّةٍ
والناسُ خانَ بها الطَّويلُ العُودُ
وكأنَّ قَلبَكَ وهْوَ قَلْبُ حَمامةٍ
بيضاءَ عندَ الواقِعاتِ حَدِيدُ
عابُوا الشُّمُوخَ لَدَيْكَ أَهْلُ سَفَاهَةٍ
أَيَنالُ مِنْ نَخْلِ العراقِ جَريدُ؟
ما قلتَ مِنْ قوْلٍ وظلَّ مُعَطّلاً
فَكَأَنَّ ربَّكَ ما تُريدُ يُريدُ
وكأَنَّ أثْقَلَ ما يَرُدُّ مُعاصِرٌ
مِنْ ناقِمٍ ومُخاتِلٍ تَهْدِيدُ
ورَأَيْتَ أنتَ مَعَ الحياةِ نُسُورَها
شِقْراقَ وهْيَ لِحاسِديكَ أُسودُ
كمْ غابةٍ سَقَطَتْ وأنتَ بقَلْبِها
تَلْهُو بها فَتُميتُها وتُعِيدُ
كَبُرَتْ ظُنونُ النّاقِلينَ بنَقْلِهِمْ
ولكَ الصَّحِيحُ وقَوْلُكَ التَّأْكِيدُ
تَتَسابَقُ الكَلِماتُ لو نادَيْتَها
فكأَنَّهُنَّ مَعَ اللِّسانِ عبيدُ
فَرَّتْ خُيُوطُ النَّحْوِ مِنْ أَدْرَاجِها
فَلَها بِمَوْطِنِكَ الكبيرِ حُدُودُ
وإذا أَجادَ المُرْجِفُونَ طَرِيقةً
لَكَ أصْلُها ولَهُمْ بِها التَّقْلِيدُ
فَرِحُوا بآثارِ المَها ورُسُومَها
ولكَ العيونُ وقلبُها والجيدُ
لو كنتَ تَمْدَحُ يا وحيدُ بكِلمَةٍ
صدّامَ كنتَ المُبْدِعينَ تقودُ
سَبَقُوكَ إذْ كانُوا الجُنُودَ لقائدٍ
ولكَ الكلامُ وما لَدَيْكَ جُنودُ
رَفَعُوا السَّفَاهَةَ واضِعُوكَ بِرَكْبِهِمْ
خَلْفَ الجَمِيعِ وإنَّكَ المَوْجودُ
مَشْهورةٌ صُوَرُ الَّذينَ توسَّلُوا
بالمُجْرِمينَ وغيرُهُمْ مَفْقودُ
ويَضِيعُ مَنْ هوَ لا يَبِيعُ بسُوقِهِمْ
باعَ الجميعُ ولا يبيعُ وحيدُ
ما فارَقَتْ آيُ الكِتابِ جُذُورَهُ
أو خامَرَتْ خَمْرَ الشَّعِيرِ وُرُودُ
وإذا نَطَقْتَ فكلُّ ما فَازوا بهِ
صَمْتُ الحَسُودِ فما يقولُ حَسُودُ؟
مَنْ قالَ هَمُّكَ في الحَياةِ دَراهِمٌ
وَأَسَاوِرٌ وحَرَائِرٌ ونُقُودُ؟
وَجُيُوبُ ثَوْبِكَ باسِطاتٌ كَفَّها
للسَّائلينَ وما بها مَعْدُودُ
ولِمَنْ رآكَ بَيَاضَ قَلْبِكَ ما رأى
في الآخرينَ لَهُمْ قُلُوبٌ سُودُ
حتّى بِنَوْمِكَ زائِرُوكَ أَئِمَّةٌ
رُسُلٌ وَقَلْبُكَ ثابِتٌ جُلْمُودُ
وتَشَعَّبَتْ طُرُقُ الحياةِ ونَهْجُها
ولِأَنَّ نَهْجَكَ واحِدٌ سَيَسُودُ
ولقدْ تَكَالَبَتِ الهُمُومُ وأنْتَ في
مَنْفَى الحياةِ مَعَ الجِراحِ سَعِيدُ
وتَقُولُ قَوْلَكَ دُونَ أيِّ تَمَلُّقٍ
وتَظَلُّ أَلْسِنَةُ الحياةِ تُعِيدُ
ويَظَلُّ قَلْبُكَ في البِقاعِ مُوَزَّعاً
فَمُوَزَّعٌ ومُغَرَّبٌ وبَعِيدُ
والآنَ يَضْحَكُ مِنْكَ أَهْلُ بَرَاعَةٍ
في العِشْقِ تَقْنِصُ والرُّعَاةُ تَصيدُ
عُدْ لِلْعِراقِ لِأَهْلِهِ ولِأَرْضِهِ
ماذا سَتَأْخُذُ مِنْكَ بَعْدُ البيدُ؟
وإذا اخْتَفى عَنْكَ العِراقُ بِجِسْمِهِ
إنَّ العِراقَ بأهْلِهِ مَوْجُودُ
عَذَّبْتَني بِتَوَاضُعٍ وزَهَادَةٍ
فيما لِكُلِّ مُعاصِرٍ مَعْبُودُ
عُدْ للعراقِ فَكُلُّ طيرٍ طائِرٍ
لا بُدَّ للعُشِّ القَدِيمِ يَعُودُ
فإلامَ أنْتَ تَزِيدُ نارَ مَحَبّةٍ؟
وبِهِمْ بُرُودٌ زائِدٌ وجُمُودُ
وإلامَ تُعْطي النّاقِضينَ وُعُودَهُمْ؟
ولقدْ يَضِيعُ مَعَ الوَضِيعِ الجُودُ
ما فَكَّرُوا بِكَ لَحْظَةً ولِأَجْلِهِمْ
مَضَتِ السُّنُونَ ووَدَّعَتْكَ عُقُودُ
ولَهمْ مِنَ الأَعْماقِ شُكْراً إذْ رَأَوْا
أنَّ الذي اخْتارَ الوَفاءَ بَلِيدُ
لمْ يَعْرِفُوكَ بكلِّ ما تَفْدِي لَهُمْ
فإلامَ تَخْدَعُكَ العُيُونُ السُّودُ؟
وإلامَ تَجْهَرُ بالغَرامِ وهُمْ بهِ
مُتَشائِمُونَ وإثْرُهُمْ مَقْصُودُ؟
وإلى متى تَقْفُو الغُبارَ طريقَهُمْ
وغُبارُ مَنْ سَلَكُوا الطَّريقَ شَدِيدُ
أَتَظُنُّ أَنَّ العُمْرَ فيهِ مَسَافَةٌ
والقلْبُ فيهِ معَ العَدِيدِ عَدِيدُ
ماذا تُحَقِّقُ والسَّعادةُ عاقِرٌ
وكَآبَةٌ نَزَلَتْ عَلَيْكَ وَلُودُ؟
أَتُريدُ تَخْتَزِلُ الحياةَ بواحِدٍ؟
أَتُحَرِّرُ الوَطَنَ الأسيرَ تُرِيدُ؟
وإذا أَذَلَّ العَبْدُ أَهْلَ مَدِينةٍ
هذا لِأَنّ الأَكْثَرِينَ عَبِيدُ
أَتَظُنُّ أَنَّكَ في الزُّحَامِ سَتَنْتَقِي
ثَمَراً وتُعْطِي سائِلاً وتَجُودُ؟
أَتَظُنُّ أَنَّكَ في تَصارُعِ أَهْلِها
شِعْراً ونَثْراً ظَلَّ فيكَ قَصِيدُ؟
فإذنْ إذا صَدَّقْتَ ذلكَ كُلَّهُ
سَنَرى بأنَّكَ في الحياةِ وحيدُ
ونُصَدِّقُ القولَ الذي قدْ قُلْتَهُ
ونُرَدِّدُ القَوْلَ الَّذي سَتُعِيدُ
أنا لا يمَلُّ السَّامِرُونَ حديثَهُ
وأنا مَعَ اليومِ الجَدِيدِ جَدِيدُ
وإذا نَطَقْتُ فَلا أُكَرِّرُ مَنْطِقي
وإذا سَكَتُّ فسوفَ يَحْكي العودُ
وإذا أموتُ فلا حياةَ لقاتِلي
فأنا الَّذي في مَوْتِهِ مَوْلُودُ
وأرى بعَيْنِي ألفَ جيلٍ قادِمٍ
لي في غِناءِ مُجَدِّديهِ نشيدُ
ورأيتُ بعدَ فَواتِ عُمْرٍ كامِلٍ
أنَّ الطَّريقَ لِمَيِّتٍ مَسْدُودُ