إذا ابتسَمَ البرقُ الحجازيُّ في الفجرِ
أقولُ لدمعي حان وقتُ البُكا فاجْرِ
إخالُ سُليمى بالثنايا تبسّمتْ
فأومضَ ذاك البرقُ من ذلك الثَّغْر
فرِفقًا رفاقي بالذي عمَّه الضَّنى
فلستُ بخالٍ مثلكم فالهوى عُذري
وكونوا معي وارثُوا لسائلِ مَدْمَعي
فإني إذا أمسيتُ أصبحَ كالنهر
وأمرُ الهَوى عند الذي لم يُقاسِهِ
غريبٌ وقَيْسٌ قاسَ ذلك بالسحر
وشرعُ الهوى صعبٌ فيَعسُرُ شرحُهُ
وسلطانُه في عرْشِه غالبُ الأمر
وما كلُّ حُبٍّ يمكنُ الصبُّ كتمَه
إذا مَدَّ ماءُ النهر فاض على الجِسر
وحاولتُ كتمانَ الهوى فوجدتُهُ
مُحالاً على مثلي، وفَضْحُ الهوى قهري
أُواري أُواري، والدموعُ تُذيعُهُ
ومارِجُهُ في القلب يسطَعُ كالجَمْر
وقد طار من عيني الكرى ثم لم يَعُدْ
كما طار كَرْوانٌ فضَلَّ عن الوَكْر
وإنَّ هَواني في الهوى غيرُ ضائري
ولكنَّ هجرَ العاذلين مع الهَجْر
فذُلُّ الهوى عِزٌّ وعذْبٌ عَذابُه
وبُخْلُ الفتى بالروح في شرعِهِ مُزْر
وإني لأخشى أن أموت ولم أفُزْ
بزوَرْةِ من أهوى فأُحْصَرَ في قبري
وإني لأرضى أن أسيرَ لأرضِهِ
أسيرًا وأبقَى عنده دائمَ الأسر
إذا جَنَّ ليلي زاد وَيْلي ووحشتي
وأعوَزَني بابٌ إلى طاقةِ السِّرّ
ويُؤخذُ من صدري فؤاديَ غِرَّةً
إذا غرَّدتْ ورقاءُ في وارقِ السدر
وأطربُ من مَرَّ النسيم إذا سرَى
وأشكو له ضُرِّي وأُودعُه سِرّي
وفي مُهجتي يهتاجُ وَجدي إذا بَدا
بأُفْقِ عوالي طيْبةَ الكوكبُ الدُّرِّي
هي الجنةُ الخضراءُ طيِّبةُ الثرى
هي البلدةُ الغرّاءُ مَنزلةُ البَدْر
بها الروضةُ الغنّاءُ والحُجْرةُ التي
هي الكعبةُ العُليا لدى كلِّ ذي حِجْر
حبيبٌ، عليه اللهُ ألقى محبَّةً
ففي كل قلبٍ طاهِرٍ حُبُّهُ يَسْري
لقد جُمِّعت فيه المحامدُ كلُّها
كواملَ حتى زاد عن كلِّ ذي قَدْر
على أنه ذو عِصمةٍ ونزاهةٍ
فما كان سوءٌ قَطُّ في قلبه يجري
رسولٌ حَبانا مَعْ بلاغٍ بلاغةً
وأهدَى لنا في هَدْيهِ سُوَرَ الذِّكْر
كلامٌ قديمٌ قد حوى كلَّ حكمةٍ
وحكمٌ سديدٌ مُنزلٌ ليلةَ القدر
كتابٌ صدورُ العالمين مَقَرُّه
وذاك لدى أهل النُّهى أعظَمُ الذُّخْر
يلينُ إذا يُتلَى به الصّخرُ خاشعًا
ولكنَّ بعضَ الناس أقسى من الصخر
هو الآيةُ الكبرى لدى كلِّ عارفٍ
هو النعمةُ العظمى لدى كلِّ من يدري
فواللهِ لو أُوتيتُ مُلْكًا مؤبَّدًا
على ترْكِه لم أرْضَ بالمُلْكِ مَعْ فَقْري
فشكرًا لربّي إذ هداني لحِفْظِه
فإني به أُحْبِيتُ مُنشرحَ الصَّدر
كما قد هَدى قلبي لسُنَّةِ مَنْ أتى
به رحمةً للعالمين ذوي الطُّهْر
فسيرتُه الحُسَنى جلَتْ لي أدِلَّةً
على صِدْقِه جَلَّتْ عن الحَصْر في الذكر
وما احترْتُ إلا اخترْتُ في الأمر قولَهُ
وأحمَدْتُ إذ أمضيْتُ عاقبةَ الأمر
وأزدادُ نورًا كلما ازددْتُ خبرةً
بأخبارِه إذ كلُّها بالهُدى تُغري
وقد أظهر اللهُ المهيمنُ دينَهُ
على كلِّ دينٍ فهو كالشَّمس في الظُّهر
فلولاه كنا في الضلالةِ والعمى
ولم نرَ نورَ الحقِّ في السِّرِّ والجهر