قد جرعت الأسى بدار اغترابي
فلأعُدْ مسرعا لمهد الشباب
فعساني أعيد فيه هناء
وسرورا مضى مع الأصحاب
فتوجهت للمواطن توا
أسرع السير مستحثا ركابي
فبلغت الديار بعد عناء
ثمل النفس بالأماني العذاب
لم أكد أن أحل في الدار حتى
هاج شوقي لمعهد الأحباب
حيث كنا تقضي الزمان بأنس
أو حديث يلذ أو ألعاب
نتجافي حينا دلالا وحينا
نتعاطى كؤوس خمر العتاب
نتشاكى الهموم بعضاً لبعض
ثم نلوي على القضا بالسباب
ليت تلك الهموم عادت فقد لذّت
وطابت وإن حوت طعم صاب
كم جلسنا على الرمال وكلٌّ
لا يرى للحياة أدنى حساب
وإذا رامنا الزمان ببؤس
نحتمي منه بالأماني الرحاب
ثم نقضي بعض لبعض بآمال
عظام مستسهلا للصعاب
ان هذي الذكرى الجميلة لاحت
لعيوني كصفحة في كتاب
هيجتني فقمت عند وصولي
قبل ان أستريح من أتعابي
وتوجهت مسرعا خارج البلدة
أعدو الى سفوح الروابي
حيث كانت معاهد الانس فيها
نلتقي والشباب غض الإهاب
كنت ارتادها بشوق أوان ال
عصر والشمس آذنت بالغياب
انظر الكون غارقا في أصيل
لعيوني يبدو كتبْرٍ مُذاب
يستحيل الأصيل شيئا فشيئا
لغروب مقطب خلاب
ثم يبدو لطرفي الشفق الور
دي قد صيغ من خدود الكعاب
فنظرت الربى بشوق ولهف
مستعيدا فيها عهود الشباب
فإذا بالربى تلوح كما كا
نت ولكن مستوحشات الجناب
وإذا بالرفاق بعض بأسفا
ر وبعض قد نام تحت التراب
قلت هذي معاهد الانس لكن
أين عهد الهنا وعهد التصابي
كان فوق الربى طلاء من البشر
وقد زال كانقشاع السحاب
فلأردد أنشودة كنت فيها
أنعش النفس طاردا لوصابي
كنت إما غنيتها منحتني
هزة في الفؤاد والأعصاب
فعساها تعيد ذكرى شبابي
وتعيد الذكرى إلي صحابي
غير أني لما بدأت أغني
سال جفني بالدمع كالميزاب
كان لي في الرباب بشر فهل قد
غيروا لي أوتار تلك الرباب
معهد الانس في بلادي أضحى
مأتم الحزن فلأعُدْ لاغترابي