رأى وجهَ الغِنَى حَسَنًا جميلا
فشدَّ وثاقَه ونوى الرحيلا
وشاقتْه العلا فمشى إليها
كظمأى الطير أبصرَتِ السَّبيلا
دعا داعي النوى فأثار فيها
إلى هجْر الحمى داءً دخيلا
ووسوسَ جارُه بالمال حينًا
فصمَّمَ نافضًا عنه الخمولا
وراح يخوض بحرًا إثْرَ بحرٍ
ويقتحمُ الفَدافدَ والسّهولا
فما حبُّ المَواطنِ وهو فرضٌ
ولا صلةُ القرابة وهي أولى
ولا وجهُ السماء صفَتْ أديمًا
ولا مرُّ النسيم سرَى عليلا
ولا ماءُ الغديرِ يسيل بَرْدًا
فيمشي في المفاصل سَلْسبيلا
ولا مرأى الكواكبِ زاهراتٍ
تَلألأُ في الفضا عرضًا وطولا
ليَثْنيَ من عزيمته عِنانًا
وينقعَ من حُشاشته غليلا
ولا عجبٌ ففي جنبَيْه نفسٌ
أبتْ إلا السِّماك لها مقيلا
وإن مقامَه إن يستطِبْهُ
عزيزًا لا يطيبُ له ذليلا
وقِدْمًا كان حبُّ المجد دِينًا
له وعبادةُ العَلْيا رسولا
أليس ليعربٍ نسلاً كريمًا؟
ألم يكُ لابن «فِينيقا» سليلا؟
غزَتْ آباؤُه الدنيا وأمسى
بغزو العالمين معًا كفيلا
أيا وطنًا نعِمنا في حِماهُ
وعانينا الشقاءَ به شُكولا
يعزُّ على بنيكَ الهجرُ لكنْ
رأَوْا عبْءَ الحياة غَدَا ثقيلا
يضيق الرّزقُ عنهم في ديارٍ
غدَتْ ظِلاً لغيرهمُ ظليلا
وما عوَّدتَهمْ أن يسْتنيموا
لضَيْمٍ لا كثيرَ ولا قليلا
أبتْ أطماعُهم إلا صُعودًا
ويأبى حظُّهم إلاّ نُزولا
وأنت الشرقُ مصدرُ كلِّ نورٍ
فكيف يُجابهون بك الأُفولا؟
إذا لم يبدُ نورُك مستفيضًا
على الآفاق عافوه ضئيلا
تمنَّوْا أن يرَوْا فوق الثُّريّا
مقامَكَ عاليًا جيلاً فجيلا
ولكنَّ الزمان أبى عليهمْ
متى خطرَتْ لهم غررًا حجولا
وحالتْ دون رغبتهم شجونٌ
قضت أن يهجر الأسدُ الدّحولا
فراحوا يضربون بكل قطرٍ
كأنَّ لهم على الدنيا ذُحولا