ولقيتُهُ في ذلك المقهى الذي
يرتادُه الغرباءُ كلَّ نهارِ
تبدو عليه همومُهُ فسألتُهُ
فأجابني وانسابَ كالأنهارِ
أنا من بلادٍ قد طعِمتُ ترابَها
بطفولتي وركضتُ كالأطيارِ
وتركتُها بعدَ اكتمالِ جوانحي
ومضيتُ إذ لا حظَّ للإدبارِ
وأنا هنا ينتابني الخوفُ الذي
في معطفي وصحيفتي وجداري
والريبُ من ظلي فأهربُ إنْ بدا
حتى تظلَّ دفينةً أسرارِي
أُخفي وتفضحُ ما أكِنُّ ملامحي
وتبوحُ عنّي دونَما إنكَارِ
أنا كالسَّحابِ مُحمَّلٌ بهويةٍ
خُطَّتْ على القسَمَاتِ والأفكارِ
هي في اللسانِ وفي الجَنانِ كوسمةٍ
تبدو وإن أخفيتُها بستارِ
لو كنتُ أعلمُ ما حوتْه حقَائبي
من قبلُ ما حزَّمتُها لسِفاري
ولكنتُ أحرقتُ المراكبَ كلََّها
وبقيتُ في عُشِّي وفي أوكارِي
أنا في العروبةِ لم أزل متقلِّبًا
في أصلِها حتى استقامَ فِقَاري
في الذَّرِّ كنتُ ولم أزل متكلِّمًا
بالضّادِ أنسجُ للنُّهى أشعَاري
من شعرِ قيسٍ قد تشرَّبَ خافقِي
ومن الفرزدقِ قد أخذتُ فخَاري
ومن الحُطَيئَةِ قد هجوتُ بأحرفي
نفسًا يفيضُ حنينُها وتُداري
أنا ذلك التاريخُ أقبعُ ها هنا
وقد انتهى سطرًا من الأسطارِ
مثلي يئنُّ يعيشُ غربةَ عابرٍ
شيدت له العقباتُ كالأسوارِ
أنا ذا إذن رجلٌ بمقهى لم أجد
أحدًا سِوى مرآتِهِ بجواري!