أنتَ فيما ارتأيت حرٌّ طليقُ
ليس يثنيك عنه سجنٌ وضيقُ
خيرُ سجنٍ لديك ما تَمَّ فيه
لك عهدٌ من الخلود وثيق
نعمة السجن حُزْتَها أتُراه
فاز فيها من قبلك الصدِّيق
أيها الفيلسوفُ حسبك آرا
ءٌ تسامت يَزِينها التطبيق
صفحةٌ أنت من «تنوخٍ» أرتْنا
حِكَمًا ما أتى بها الإغريق
سِرتَ والناسُ في طريقٍ ولكنْ
بك - لا بالجمهور - غصَّ الطريق
جئتَ تسعى لهم بفلسفةٍ سَوْ
داءَ ما للآمال فيها بريق
فتشاءمتَ والحياةُ إذا فَكْ
كَرَ فيها الحكيم، شؤمٌ مُحيق
وتبرَّمتَ بالنظام ومن ذا
يرتضي ما به تضيع الحقوق
ورحمتَ الحيوان، وهْو غريبٌ
فوق ما يرحم الشقيقَ الشقيق
ربَّ عدلٍ به التقاليد جاءت
هو - فيما لديك - جورٌ دقيق
ربَّ حكمٍ كالرقّ في الناس لكن
ليس فيهم - فيما تراه - رقيق
وسواءٌ لديك، في فضله، الحَبْ
رُ، وشيخُ الإسلام والبطريق
قد دخلت الجحيمَ لكنْ تجافَى
عنك - لما دخلت - فيه الحريق
ورأيت العذاب في النار صبرًا
فيه يشقى الفقيه و«الجاذريق»
وبدار النعيم طفْتَ فأطفا
حُرَقَ القلب منك فيها الرحيق
وكما شِمْتَ ظالمًا وأثيمًا
هو بالنار لا النعيمِ خليق
لو تروم العقولُ حلاً لهذا
- وهو شرٌّ - ناءت بما لا تطيق
شاعرٌ، شاعرٌ وكم من شهيرٍ
لَغَطٌ خيرُ شعرِه ونَعيقُ
ضيَّقَتْ موقفَ الفطاحل منه
سعهُ الفكر واللسانُ الذليق
صقَلَ الحسّ منه قلبًا ذكيّاً
لمعتْ فيه من جلالٍ - بُروق
فرأى ما ترى العيون بوعيٍ
لخفايا عنها البصيرُ مَعُوق
شاهدَ الكونَ وهْو يعرض ألوا
نًا علاها التزوير والتزويق
فتولّى عنه وأولاه نقدًا
هكذا يفعل الحكيم الشفيق