قفْ بالمنازل نبكِ من ذكراها
نعمتْ ديارًا صبحَها ومَساها
وسلِ المنازلَ لو أجابكَ رسمُها
ماذا أحال نعيمَها وصفاها
دورٌ شربتُ بها سُلافَ صبابتي
واستمرأتْ نفسي كؤوسَ طلاها
ملّيتُها عمرَ الصبا وكأنني
لم أمضِ غيرَ عشيّةٍ وضحاها
يا دارُ إن ذويكِ قد أودتْ بهم
دنيا خؤونٌ لا يدوم هناها
عصفَ الزمانُ بهم وأورثَ دورَهم
طيرًا أقام بربعها فرثاها
أترى الذين تغيّبوا في تُربها
كم خلّفوا عزّاً هناك وجاها؟!
وحدائقًا كانت لهم فكأنها
والماءُ يروي في الأصيل رُباها
إستبرقٌ أو حلّةٌ من سندسٍ
وشْيُ الربيعِ مُذهَّبٌ ذيلاها
والدوحُ تُمعن في الجِواء فُروعُه
وتغور أوتادٌ له بثراها
مثل الرواسي أن تميدَ بثقلها
جنّاتُها أو أن يزولَ بَهاها
والوردُ فيها يحتمي بأسنّةٍ
قد أُرهفتْ أطرافُها وظُباها
كانت تمرّ به فتاةٌ كالضحى
وتمدّه من طيبها وشذاها
فتخاله يحمرّ من وجناتها
ويحنّ شوقًا أن يقبّلَ فاها
والزهرُ يبسم ضاحكًا ورياحُها
تشكو من المرض الذي أضناها
واليومَ جفّتْ من أسًى أعوادُها
ولَوَ انّ دمعي دائمٌ لرواها
أدويحةَ الكافورِ أين حمائمٌ
كانت تردّد في الصباح نِداها؟
كانت ترجّع سجعَها وغناءها
وتَلَذّ أسماعٌ بحسن غِناها
فغدتْ تهزّ من القلوب نِياطَها
هزًا بطول نحيبها وبُكاها
ورَثتْ لأدمعها الغصونَ فأقبلتْ
تتساقط الأزهارُ من أعلاها
وكأنها المصبوب من دمعي على
هذي الطلولِ اليومَ حين أراها
أبكي على أمنيّةٍ في طيّها
قد خانها دهرٌ قسا فطواها
أمستْ كما غدتِ الطلولُ دوارسًا
مَرُّ السنين أزالها ومحاها
أبكي وقد خلتِ الديارُ من آلها
رعيًا لهم وسقى الربابُ ثراها
أبكي على طللٍ تهدَّمَ كلّما
ناحت ممزَّقةُ الحَشا برِثاها