ما بينَ مندهشٍ مِنها ومضطربِ
دخلتُ حُجْرَتَها الْصَفْراءَ كالذَّهبِ
قالتْ أراكَ بأثوابٍ ممزقةٍ
ماذا وراءكَ يا اْبنَ الشرقِ من سببِ؟!
فقلتُ سيدتي، إنِّي أسيرُ بِلا
هديٍ وأحملُ أحلامي على هُدُبي
ما زِلتُ أحمِلُها كالطفلِ يحملُ في
كفيهِ لُعبَتَهُ في غيرِ ما لعبِ
وقد مررتُ بغاباتٍ وأوديةٍ
كانتْ تمزقني إربًا إلى إرَبِ
دخلتُ حُجرتَكِ الصفراءَ منهمِكًا
لم أدرِ أينَ أنا من شِدَّةِ التَّعبِ
من أنتِ يا نجمةً صفراءَ ساطعةً
تظلُ حافلةً بالرقصِ والطَّربِ
قالتْ وقد أشعلتْ في الجوِ رقصتها
أنا الخيالُ وما في الكونِ من عَجبِ
أنا الحماسةُ، من غيري تزار إذا
ما مَلّت النَّاسُ من همٍّ ومِن نَصبِ
أنا منارةُ أوروبا الّتي قطفتْ
سراجَها من ضياءِ البدرِ والشُّهبِ
أنا التَّمرُّدُ في كلِّ المدائنِ لا
أختارُ أُغنيتي إلا من الصَّخبِ
أنا مدينةُ برلين الّتي نهضتْ
من بعدِ ما هُدِمَتْ رأسًا على عَقِبِ!!
ما زلت من أولِ الأحجارِ ساهرةً
ليلي وما نعست شمسي ولم تغبِ
عندي العلومُ إذا ما كُنتَ تطلبُها
وكلُّ ما عرفَ التَّاريخُ مِنْ كُتبِ
عندي المتاحفُ ملأى بالذي حملت
لنا الحضاراتُ آلافًا من الحقبِ
عِندي المعالمُ لا تُحصى وقدْ نُقِشتْ
نقشًا على حجرِ الجُدرانِ والخشبِ
فقلتُ سيِّدَتي، إنِّي أخافُ على
نفسي إذا فُتِنتْ من سوءِ منقلبِ
بيني وبينكِ ما يكفي ليجمَعنا
على الودادِ وما يكفي ليعصِفَ بيْ
برلينُ لا تتركي الجدرانَ فاصلةً
ما بيننا وأعيدي صولةَ الغضبِ
فالعنصريةُ ثوبٌ شاهَ لابسهُ
كأنَّهُ حيْكَ من قُبْحٍ ومن جربِ
وإنَّ سِرَّ جمالٍ قد حظيتِ بهِ
دون المدائنِ طُرًّا صدرُكِ الرَّحبِ
مَرَّت سنينٌ وإنّي منكِ سيّدتي
ما بينَ مبتَعِدٍ حينًا ومقتَرِبِ
إنِّي أُحاولُ أن أدنو إليكِ بِلا
"أن أقطعَ الخيطَ بينَ الخمرِ والعِنَبِ"
أدنو ودينيَ مرآتي وبوصلتي
والدَّربُ محفوفةٌ بالشَّكِّ والرِّيَبِ
برلينُ لا تقطعي دربًا أراعي بهِ
ديني ولا تصبحي حمّالةَ الحطبِ
فالإندماجُ مياهُ الضفتين إذا
ما بينهنَّ جرى في سلْسلٍ عذبِ
ما زالَ في مهجتي ماءٌ أجودُ بهِ
مِنَ الفُراتِ على الأشجارِ والعُشُبِ
لا لنْ نضيءَ معًا إلَّا ونحنُ معًا
نعلو ونكشفُ ما في الشّمسِ من حُجبِ