يا غارُ إنا من ثَراك نغارُ
في جوفك الصَدِّيقُ والمختارُ
قد آثراك على البريّة كلِّها
حِيزت لك الدنيا فحقَّ فَخَار
التِّبْرُ يغبط من ترابك قَدْرهُ
والسرُّ فيك تَحُوطه الأنوار
وإذا الصخورُ القاسياتُ ترقرقتْ
فكأنما نبتتْ بها الأزهار
يا غارُ يومك لا يُقاسُ بغيره
أنَّى إليه المُثْلُ والتكرار
فيه الرسولُ نجا ودعْوته التي
ما نال منها الزمرةُ الأشرار
وانساب ركبُ الخير يبغي طيبةً
تحدوه جندٌ للسما أطهار
واذكُرْ «سراقةَ» كم له من حادثٍ
وهو الشجاع الفارس المغوار
متتبِّعَاً أثر النبيّ وصحْبه
فالمجدُ يُغْري والجزاء نُضَار
فإذاه مطروحٌ تشتّتَ شملُه
والهولُ بحرٌ عاصفٌ دوّار
مهلاً رسولَ الله إني راجعٌ
عن زّلتي ما عاد لي إصرار
قد تبْتُ فامنحني الأمانَ سماحةً
إن الإله مُسامحٌ غفَّار
ويعود معمورَ الفؤاد ووعْده
من قصر كسرى مغنمٌ وسِوار
عنِ أمِّ معبَد حدِّثَنْ أخبارها
لما أتاها في الضحى زُوَّار
حزنتْ لقلة ما لديها من قِرًى
فالضرعُ جفّتْ والديارُ قِفار
فأتت رئيسَ الركب تشكو عُذرَها
والفقْرُ عذرٌ دونه الأعذار
فإذا الرسولُ ملامسٌ من شاتها
ضرعًا ففاض لبانُها المدرار
وانزاح ليلُ الشرك بعدَ ظهوره
فإذا الليالي كلُّهنَّ نهار
والعدْلُ عمَّ على البرية كلِّها
عَزَّ الضعيف وأُخضع الجبّار
راياتُ أمتنا هنالك رفرفتْ
فوق النجوم وما لهنَّ قرار
لما حكمنا قد حكمنا رحمةً
ما كان منا الظالم الجوَّار
حُقَّ السلامُ لمن أراد سلامنا
نحن الأمانُ فلا يُرَّوّع جار
بالله هل ساد البريةَ مثلُنا
عدلٌ وحزْمٌ رحمةٌ وجِوار؟
يا عينُ جودي بالدموعِ غزيرةً
ضاعت لنا دولٌ وضاع فخار
وتواثبتْ كلُّ الذئابِ لصيدنا
والصيدُ منهوكٌ لها خوَّار
نهشوا لحومًا ما لها حامٍ هُنا
ساد الصغارُ وضُيِّع الأحرار
راقت لنا الدنيا فزدنا مطمعًا
نحنُ القطيع وكلّهم جزّار
يا قومُ قوموا أعلنوها عزمةً
لله لا تَضْوِي ولا تنهار
إن المياه إذا تجمَّع قَطرُها
صارت بحارًا مَوْجُها هدَّار
تثبُ السدودَ ولا تهابُ علوّها
فتُحَطَّمُ الأبواب والأسْوار
وتمسّكوا بكتابكمْ ترنو لكمْ
شمسُ النهارِ وتشهدُ الأقمار
يا ربُّ غوثًا لا يغادرُ أمةً
هي خيرُ مَنْ أضحَى عليه نهار
يا ربُّ غيثًا لا يبارحُ أرضَها
لتعُمَّ كلَّ بوارِها أنهار
و«محمدٌ» سيظل قائدَ مجدها
ستعودُ مهما طالت الأسفار