حذار فليس للنعمى دوامُ
وليس لهذه الدنيا زمامُ
وللأقدار إذ تجري سهامٌ
إذا انطلقت تكسرت السهام
وكم في الحادثات لنا عظاتٌ
يُقصِّرُ عن بلاغتها الكلام
وكم طلع النهار فعزَّ قومٌ
وذلوا عندما هبط الظَّلام
وكم من معشرٍ كانوا عظامًا
أزالت مجدهم نوبٌ عظام
نَبَتْ بهمُ القصور مشيّداتٍ
فأمسَوا والهراء لهم مقام
وكم باغٍ شديد الحول أضحى
كما سام الورى خَسْفًا يسام
وكم فشلٍ تَقَدَّمَه غرورٌ
كما يتقدم الموتَ السقام
حذارِ فإن للزمن انقلابًا
على العاتي نوازله جسام
لعمرُك ما زمانك غير راع
وما هذا الورى إلا سوام
فإنْ واتَتْه كان بها رفيقًا
وإن ندَّت فمنه لها خطام
سلوا الأيام كيف مصيرُ قومٍ
مزيَّتهم عُتوٌّ وانتقام
يقولون الوئام جليلُ نفعٍ
ولولاهم لما انقطع الوئام
سلوا النعماء هل تبقى لرهط
إذا بطروا وطال لهم عرام
وليست تبطر النّعمى كرامًا
ولكنْ يبطر القوم اللئام
ولو شمخت من البَطَرِ الرَّوابي
لَعُدْنَ كما تقوضت الخيام
ولو بطرت برفعتها الدراري
رأيناها وليس لها انتظام
ومن يجمح به بطرٌ وغيٌّ
فمن حرف الزمان له لجام
ومن يُرهِفْ حسامًا لانتقامٍ
يعمّمْ رأسه ذاك الحسام
ومن يك يبتغي إذلال قوم
فإن جزاءه ذالٌ ولام
ومن يحْمِ الجناة فذاك منهم
وإن صلى وطال له صيام
ومن يشفع لمجترمٍ غشومٍ
فما تذريعه إلا اجترام
ومن يهضم لمن والاه حقًا
تهضَّم حقَّه من لا يرام
ومن يُثنِ الغرورُ له قوامًا
فما لأموره أبدًا قوام
ومن يَطْوِ الضلوع على فسادٍ
فما في الصالحات له مرام
ومن ينسَ الجميل يكن لئيمًا
فإن الفضل يعرفه الكرام
ومن يبنِ الصُّروح على خيالٍ
فما يبنيه غايته انهدام
ومن لا خير فيه يكن بغيضًا
لذلك يشنأُ الغيمُ الجهام
ومن يَخَلِ الزَّمانَ له غلامًا
فما هو في الحجى إلا غلام
يريه الدهر بشرًا وابتسامًا
ولا بِشرٌ هناك ولا ابتسام
هَبِ المتغطرسين غدوا ملوكًا
فهل يرجى لذي مُلْكٍ دوام
وهل بعد الصعود سوى هبوطٍ
إذا لم يسلك الجُدَدَ الأنام
أرى الإرهاق للضعفاء خيرًا
فلولا القَدْح ما استعر الضرام
ولولا الشَّحْذ لم يقطعْ حسامٌ
ولولا العصْر لم تكنِ المدام
ولولا البرْيُ لم يَرقم يراعٌ
سطورًا كالعقود لها انتظام
ولولا النار لم يُسبَك نضارٌ
ولولا السهد لم يَطِبِ المنام