حلِّ المبجل حبرنا داوودُ
حيث المقام تنعم وخلودُ
وسعادة للصالحين وغبطة
ومسرة ليست لهن حدود
جنات رضوان أُعدت للألى
عاشوا وكل صنيعهم محمود
نهضوا بفرض الدين ما عسفوا وما
عاثوا وجم الخلق عنه قعود
أولاهم الرحمن أجراً وافراً
ذكرته كتب أُنزلت وعهود
يا حبر للحسنى سلكت محجة
ما كنت عنها في الحياة تحيد
في الخير كنت لكل فرد ساعياً
سعياً بخير النفع كان يعود
لم تثنك الوعثاء عن عمل به
أدركت أقصى القصد وهو حميد
لما نويت البر مهد أمره
لك ذو الجلال وشأنه التمهيد
أفرغت جهدا في سبيل مراحم
ومكارم ما بعده مجهود
بل كنت غيثاً سح إحسانا على
بؤساء يحييها الندى والجود
أفعالك الغراء في جيد العلى
تزهو كما بالدر يزهو الجيد
فكأنهن نفائس وفرائد
عزّت بغالي قدرهن عقود
لم تصنع الحسنى جهاراً أنما
سراً يراها الواحد المعبود
وعملت بالإنجيل لم تعلم يسا
رك ما به يدك اليمين تجود
وعلمت أن الأجر تستوفيه لا
ممن لديهم صنعنا مجحود
بل من لدن مولى جزيل أجره
إذ لم يقم بجزا الصنيع عبيد
قل احترام رجال دين إنما
كان إحترامك في القلوب يزيد
جددت عهد المعجزات وقد مضى
فكأن ذياك القديم جديد
قد أدهش الأيام منك جلائل
ملأت سنى ماضيك وهو مجيد
عيناي أبصرتا كما غيري رأى
عجباً وأنا كلنا لشهود
في طاعة المولى سهرت ليالياً
هجع الجميع بها وأنت هجود
لو فسحة الآجالُ يمنع طاهر
لك طال عمر في الصلاح مديد
وصنعت من ذي المعجزات عجائباً
وغرائبا لم يحصهن عديد
لكنما آجالنا كتبت ولم
يتعدّ حدّاً عمرك المحدود
صافيت كل الخلق دون تصنع
والصدر رحب والفؤاد ودود
ولهم فتحت الدار ما برحت بهم
ملأى وكم في البيت ماج حشود
جهروا بأنك في عفافك مفرد
وبأن ما صنعت يداك فريد
صدقوا ففي كل المحامد لم يكن
لك في الكرام الصالحين نديد
أرشدت كالمصباح في المشكاة من
ضلوا فقالوا مرشد ورشيد
أفرغت جهدك منشئاً أبناك في
فضل وقدوتهم أب وجدود
قد كنت بحراً زاخراً بلآلىء
وفرت فلا درُ له معدود
أنت الذي نصر الفضائل في الورى
ولذا عليك لواؤها معقود
وأبنت عقبى الخير منها قائلا
من سار في منهاجهن يسود
أقصيت كل نقائص عنا كما
يُقصى مصاب الجسم وهو طريد
متيقناً أن الفضائل للفتى
مثلَ السلاح بهن عنه يذود
ناحت عليك مناقب لم يحوها
حيٌ يدب على الثرى وفقيد
يبكيك علم كان يزهو روضه
بك مورقاً للكل منه العود
ترثيك تقوى ما رأت ورعاً قضى
عمراً وجل الوقت منه سجود
وعليك ينتحب الأنام وفي الأسى
كل سواء كالقريب بعيد
ذرفوا الدموع عليك بل ذرفوا الدما
فولاؤهم لك في الفؤاد شديد
كل يولول قائلا ويحي مضى
كهف العفاة الملجأ المقصود
فقد اليتامى والأيامى دوحة
للناس أورف ظلها الممدود
سامي حمى من لا نصير له كما
بشجاعة يحمي العرين أسود
ولذاك لا عجب إذا كل وقد
حان ارتحالك آسف منجود
هدا قضاء لا مرد له وهل
يجدي البكا عند القضا ويفيد
يا حبر كنت مثالنا الأعلى الذي
يقفو أب منك الخطى ووليد
وشعارك الحق الذي أحققته
فدهتك من هذا الدواهي السود
جالدت فيه كوارثا وشدائدا
فقضيت من شجن وأنت شهيد
قد كنت لم يُطمعك وعد مثلما
في قمع بطل لم يرعك وعيد
وإذا استقام الناس في الدنيا رأوا
من شائيهم ما رأى داوود
هذا جزاؤك يا أبي في عالم
قد فر منه العدل وهو شريد
ما ضاع عند الله جهد مجاهد
ولو أنه بين الورى مفقود
ظلموا بريئا صالحا فأصابهم
مما جنوه الهم والتسهيد
وعلى الظلوم يحل من رب السما
غضب هو التنكيل والتنكيد
والله بالمرصاد للباغي إلى
أن يحتويه من الثرى أخدود
وجهنم بئس المقر له ومن
أمثاله للظى الجحيم وقود
قد أنذر الديان ذا بغي كما
ذو البر مثلك بالجزا وقود
هذي فعالك غرة في جبهة
للدهر بل هي للصباح عمود
والمجد ليس مخلدا ذكراك بل
بالصالحات لذكرك التخليد
كم قلت لي أصنع ما استطعت الخير لا
تغفل عداك فلا يسود حسود
صنع المبرة للعدى جمر على
هاماتهم لا يعتريه خمود
واتبع وصايا الله فهي سياجنا
وإذا عملت بها فأنت سعيد
واعلم بأن الدار زائلة فلا
يبقى سوى الحسنات ليس تبيد
ينهار ما نبنيه في الدنيا ولا
ينهار صرح البرّ فهو وطيد
فإذا بذرنا اليوم عرفا في غدٍ
سرِّ الفؤاد لدى الإله حصيد
في جنة ربحت تجارة من لهم
شغل بها التسبيح والتمجيد
بالباقيات تزودوا من قبل ما
وافوا النعيم وحبذا التزويد
فإذا أتوا رضوانه في سندس
رُفعت لهم عند القدوم بنود
وأحاطهم رهط الملائك مثلما
بالملك إجلالا تحف جنود
قد رجوا بالقادمين لأنهم
من خيرة القوم الكرام وفود
وتهللوا مترنمين كأنما
عند الملا الأعلى تألق عيد
قد غردوا مثل الصواذح اطربت
أسماعنا فحلا لنا التغريد
هذا جزاء الصالحين سعادة
ما أحرزتها في الحقيقة صيد
فهنالك الفردوس يزري بهجة
بالروض فيه أزاهر وورود
يحوي قصور الأتقياء تجل عن
وصف وهل قصر كتلك مشيد
ومساكن الأبرار أجمل ما اجتلت
مقل وأفضل ما النفوس تريد
يتنعمون هناك أي تنعم
ما مثله عيش يلذ رغيد
يا حبر قد عجز اليراع وما عسى
يبدي يراع عاجز ويعيد
كدرت حياتك بالنوائب يا أبي
ما للصفا في ذي الحياة وجود
فإذا بلغت الخلد أنساك العنا
جذل وقلتُ هنا الهنا المنشود