غدا كلُّ لوَّامٍ عن اللوم ناهيا
درى أنني ما ازددتُ إلا تماديا
رأى اللومَ يغريني فبغَّض لي الهدى
وحبَّب لي بغضي له وضلاليا
إهانةَ من ران الغرام بقلبه
تبرّد صدرًا جاش كالقِدر غاليا
وملتمسٌ بالعذل إطفاء لوعةٍ
كملتمسٍ داءً من الداء شافيا
إذا دَلَّهَ العقلَ الهوى قلَّ أن ترى
سوى الوصل يُرجى أن يكون مداويا
وما الوصل إلا نظرةٌ بعد نظرةٍ
يليها حديثٌ يوقفُ الطيرَ صاغيا
تهافَتَ أقوامٌ على الحبِّ وادّعوا
دعاوى وقد وافى الصخورَ القوافيا
أولئك أقوام غِلاظٌ وإنما
يلينون ما خالوا إلى اللّين داعيا
وحبُّ الفتى حُبَّان حبٌّ للهوِهِ
يزولُ وحبٌّ ليس ينفكُّ باقيا
فهذا هو الحبُّ الصّحيح وغيره
عواطف ترمي بالفؤاد المراميا
إذا النفسُ لم تملكْ هَوَتْ وتفرَّقتْ
كمثل قطيعٍ هام لم يَلفَ راعيا
يظلُّ طريدًا في الفيافي مشتتًا
يضِلُّ ولكن يستلِذُّ المراعيا
هنالك غاراتُ الذئاب تشنُّها
ونبتٌ حوى سمّاً ويخدعُ زاهيا
يتيه ويفنى واحدًا بعد واحدٍ
إذا لم يصادفْ في الضّلالة هاديا
فيا أيّها الحبُّ الصحيح بمهجتي
أقمْ غيرَ مذموم وبوركتَ ثاويا
وألقِ شُعاعًا في فؤادي تُنِرْ به
غياهبَ أفكاري وثبِّتْ جنانيا
وصدريَ فاشرحْ واحللِ العقدةَ التي
تعوقُ لساني أن يصوغَ المعانيا
وطهِّرْ سويدائي من الضّغن والقِلى
ومن حسدٍ أفنى الجموع المواضيا
وبيني وبين الغدر باعِدْ ببرزخٍ
متينٍ فلا يقوى يكدرُ مائيا
فمن لي بنفسٍ قد نجتْ من شرورها
فأصبحتُ مكتوبَ السّلامة ناجيا
وأَخلصُ من همِّ الزمان وشغله
وأمسي قرير العين بالعيش راضيا
إذا ظلّلتْ سحبُ الهموم حياتنا
سمعنا لها رعداً مدى العمر داويا
يهدِّدنا حيناً وحينا يغرُّنا
فننظر برقًا خلَّبًا متلاليا
ظلامٌ دجوجيٌّ ونورٌ إذا بدا
تولّى ويزهو ثم يُظلم ثانيا
طرقتُ فتاةَ الحيِّ والليل مسبلٌ
على الأرض ثوبًا بالكواكب حاليا
فقالتْ مَنِ المستطرقُ الحيَّ بعدما
علِقْنا مقاصيرَ الحِمى والمآقيا
فقلتُ لها مستفتحُ الخير من سنا
محيّاكِ وافى نحو بابكِ راجيا
فقالت هنا بحرٌ فقلتُ أخوضه
فقالت وسيفٌ قلتُ جئتك شاكيا
فقالت وضرغامٌ فقلتُ مدرّبٌ
يخوض الليالي لا يهاب الضواريا
فقالت عجيبٌ كيف يغلُبكَ الهوى
وأنت حديدٌ تستخفُّ الدواهيا
فقلتُ لها إن الهوى متسلِّلٌ
أغار على قلبي وقد كان خاليا
تملّكَه ثم استوى في جوارحي
وقام بجسمي آمرًا فيه ناهيا
فما زال هذا شأنُنا في لقائنا
نجرِّر أذيال الحديث الضوافيا
إلى أن بدا نور الصّباح كأنه
سنا وجه «عباسٍ» أضاء النواحيا
فودَّعتُ بالكفّين توديعَ هائمٍ
وقلت لشِعري قم وهاتِ الدراريا
لأنظمَ منها عِقدَ درٍّ منضَّدٍ
أقلِّده مدحي لعباسَ باهيا
مليكٌ حوى كلَّ الفضائل بعضُها
يضافر بعضًا كي يردَّ المساويا
أضاءت شموسُ العزِّ فوق جبينه
فردَّتْ كليلاً طرفَ من جاء رائيا
وأبدتْ كنوزُ العزِّ زخرفَها له
فما اختار بعد النقد إلا المعاليا
تولّى على مصرٍ عزيزاً فزانها
كما زيّن العِقدُ الحسانَ الغوانيا
هنيئا لمصرٍ أن عباسَ ربُّها
حسامٌ زها حسنا ويقطع ماضيا
حسامٌ له في الشرق والغرب رنّةٌ
أصاخ لها الداني ومن كان نائيا