تَنَافَسُوا فِي الْمَرْكَبَاتِ الْفَارِهَة،
تَقَاسَمُوا الطَّرِيقَ
لَمْ يَعُدْ لَنَا طَرِيقْ
تَقَنَّصُوا مَضَاجِعَ الْغُبَارِ حِينَ نَامْ
وَأَفْلَتُوهُ خِلْسَةً
لِيَبْذُرُوهُ
فِي عُيونِنَا
لِكَيْ يَثُورَ الْجَهْلُ
مُثْمِرًا أَعْنَابَهُ فِي كُلِّ عَامْ
رَأَيْتُ مَنْ يَقُودُهُمْ؛
كَانَ عَرِيضَ الْمَنْكِبَيْن،
فَفِي عُيُونِهِ
اِنْعِكَاسٌ للشَّوَارِعِ الْمُدَمَّرَة،
وَفِي اضْطِرَابِ صَوْتِهِ
بَقِيَّةٌ مِنْ طِفْلَةٍ
مَبْتُورَةِ الْيَدَيْنِ،
خَلفَهَا مَدَاخِنٌ، وَشْوَشَرَة ..
رَأَيْتُ فِي جَبِينِهِ
حَدَائِقَاً تَرَمَّلَتْ،
وَالْقَحْطُ جَاءَ خَاطِبًا
بِرَقْصَةِ اللِّئَام .
رَأَيْتُهُمْ جَمِيعَهُمْ
فِي غُرْفَةٍ مَبْنِيَّةٍ
مِنِ انْتِحَابِ الْأُمَّهَات،
وَالْوَقْتُ كَانَ بَاكِرًا،
تَوَزَّعُوا عَلَى جَمِيعِ الْمَائِدَة:
الأَوَّلُ اكْتَفَى
بِوَضْعِهِ الْحُدُودَ
فِي بِدَايَةِ الْخَرِيطَة،
وَكَانَ يَبْدُو ثَمِلًا
حِينَ انْتَشَى وَقَالَ:
«الْمَوْتُ لِلْبِغَالِ!
الْحُبُّ لِلرِّيَالِ!
الْعِزُّ وَالْجَلَالُ
لِلْآلِ، أَوْ لِلْمَالِ!
لِلْمَالِ، أَوْ لِلْآلِ!»
تَعَرَّجَتْ دُرُوبُهُ،
فَأَسْرَعَ الْجُلُوسُ
وَاضِعِينَ فِي التُّرَابِ
أَنفَهُم
لِيَحْرُسُوا الْغُلَام…
لَقَدْ بَدَا لِي
مَشْهَدًا مُؤَثِّرًا،
عَدَدْتُهُمْ بِسُرْعَةٍ،
فَكَانُوا حُفْنَةً،
مُقَارِبِينَ الْعَشَرَة
اللَّيْلُ ظَلَّ هَادِئًا؛
فَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا مِنَ الْجُلُوسِ
لَمْ يَصِلْهُ الْمِيكْرُوفُونُ
كَيْ يَقُولَ رَأْيَهُ،
وَرُبَّمَا
تَأَخَّرَ الْمَجِيء .
خَارَتْ قُوَايَ،
لَمْ تَكُنْ لِي
كَامِيرَا
لِأَرْصُدَ الْمَشَاهِدَ الْمُؤَثِّرَة،
أَوْ أَقْنُصَ الْقُضَاةَ
فِي سَرِيرِ السِّمْسَرَة،
أَوْ أَحْبِسَ الْجُنَاةَ
رَغْمَ تُهْمَتِي الْمُعَطَّرَة .
سَمِعْتُ صَوْتًا خَافِتًا يَقُول:
«أَنْجَزْتُ قَتْلَ سَبْعَةٍ…»
«جَمَعْتُ مَبْلَغًا فَ…»
«فَجَّرْتُ، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، جَامِعًا!»
فَصَفَّقُوا… وَصَفَّقُوا!
وَقَهْقَهُوا:
«أَحْسَنْتَ صُنْعًا، يَا إِمَامُ!»
الْفَجْرُ كَانَ مُقْبِلًا،
يَجُرُّ ذَيْلَهُ بِسُرْعَةٍ،
لَكِنَّهُ،
بِرَغْمِ ضَوْئِهِ، يَخَافُ
أَنْ يَرَوْنَهُ
مُبَعْثَرًا لِجَمْعِهِمْ،
وَمُطْفِئًا لِشَمْعِهِمْ.
— «غَدًا نُوَاصِلُ الطَّرِيق»،
— «غَدًا نُوَاكِبُ الْحَرِيق»
قَالَهَا الْإِمَامُ،
وَهُوَ يَنْفُثُ الدُّخَانَ…