أرأيت كيف الوحيُ والإلهامُ
يتحدّران فتنطق الأقلامُ
الحبُ والأحزان نبعُ قواهما
والبؤس واللّذات والآلام
هبطا على الشعراء يوم أصابهم
من جعبة الدهر الظلوم سهام
فجرت على بيض الطروس دماؤهم
شعرًا به تترنّم الأقوام
أبَني المروءةِ والشهامة مَن بهمْ
لبَني الشقاء المرتجى البسّام
ما الحب في سلطانه وجلاله
ما البؤس إن قذفتْ به الأيام
بأجلَّ ما أوحت لفكرة شاعرٍ
فوق المنابر هذه الأيتام
إني لأقرأ في بريق عيونهم
شعرًا نبتْ عن خطِّهِ الأقلام
صاغته أفئدة الكرام من السما
عفوًا وما كل الكرام كرام
قومٌ إذا كفر الزمانُ بأهله
صَلَّوْا على كفر الزمان وصاموا
يأبَوْنَ أن يتذوّقوا طعم الهنا
إن قَلَّ في صحن اليتيم طعام
وقفوا الحياة على المكارم دون أن
يُعطَى لهم أجرٌ ولا هم راموا
حتى الملذة عند كل منهم
في غير كفكفة الدموع حرام
فإذا أرادوا البذل من إنعامهم
سبق الإرادة ذلك الإنعام
شادوا على أسّ الفضيلة معهدًا
حضن اليتيمَ فصحَّت الأحلام
هرمٌ من المجد المؤثل خالدٌ
ترتدُّ دون خلوده الأهرام
صان اليتامى من براثن يُتمهم
واليتم وحشٌ دونه الضرغام
إن حال دون مُدافعٍ ومناضلٍ
فعلى المروءة والحنان سلام
لكنهم والقائمين بأمرهم
وردُ الربيع تضمّه الأكمام
ولكلما ازدادوا يتيمًا واحدًا
يزداد في صدر الكرام وسام
قلْ للحريص على الحياة ومالِها
أخطأتَ يا هذا فحرصك ذام
فلقد عرفتَ من الحياة جمالها
في صورة الدينار لستَ تلام
تجري من الأعوام تكدح جامعًا
ما للزوال فتهزأ الأعوام
يبدو لك الدينار دومًا باسمًا
لا يخدعنَّك ثغرُهُ البسام
فالمال تكسبه الخطوب تلألُؤًا
وحوادثٌ ملء الزمان جِسام
جد ما استطعت فإنَّ مالك فاسدٌ
إن ظلَّ رهنَ الخُزْنِ وهو ركام
كالماء يأسَنُ إن توقَّف جريُهُ
فتعافه الأرواح والأجسام
كن كالغمام إذا تكاثف مثقلاً
ينهلُّ فوق الأرض وهو سجام
إذ هل يُرَجَّى الخصب ما بين الملا
والأرضُ عطشى والسحاب جَهام
يا من ترى عيناه أنواع البَلا
وترنُّ في أسماعه الآلام
فيظلُّ كالصنم المزخرف جامدًا
لا حسَّ فيه فما به إسلام
ويروم منا أن نعظِّمه وأن
يحتاطه الإجلال والإكرام
أخطأتَ يا صنم الغرور فقد مضتْ
أيامُ كانت تُعبَد الأصنام
تَزِنُ الرجال بفضلهم لا مالهم
الفضل يخْلُدُ والثراء حطام
ما تنفع البخلاءَ ثروتهم ولو
ضاقت لدى إحصائها الأرقام
فليحيَ كلُّ فتًى إذا استنجدته
في البؤس كان شعاره الإقدام
ولتحيَ أبطال «الشبيبة» إذ بهم
لليُتم حدٌّ دونه الصمصام
فكأنما الأيتام لم يتيتَّموا
وكأنما البُخَلا همُ الأيتام