كيف أرثيكَ ما عسى أن أقولا
صِفْ «بلالاً» إليَّ يبكي «الرسولا»
صفْ أذانَ الوداعِ يومَ تعالى
فاستحالتْ به الصلاةُ عويلا
صفْ دموعَ «الصِّدِّيقِ» يخطب في النّا
سِ، فلا يملكون إلا ذهولا
صفْ «عليّاً» يطأطئ الرأسَ حزنًا
ويعزّي على المصاب «البتولا»
نبأٌ ما سمعتُ أعظمَ وقعًا
منه مهما كان المصاب جليلا
حسْبُ آيِ القرآنِ أُولى نَواعٍ
لكَ لم ترضَ بالنُّعاة بديلا
فِضْنَ بالدمع واختلجنَ نُواحاً
فجمعنَ البكاءَ والترتيلا
وتوالى الرثاءُ إلا رثاءً
لكَ مني يستلهم الإنجيلا
شيّعتْ مصرُ منكَ باني علاها
وبكتْ مجدَها الرفيع الأثيلا
بزَّ مَنْ سار بالملايين منها
من مشى في السماء عرضًا وطولا
رُبَّ نفسٍ لم ينعَها الموتُ إلا
قلتُ تاقت إلى الخلود طويلا
لكأني بالعبقريِّين تأبى
حكمةُ اللهِ أن يعيشوا طويلا
يا بنَ خمسين حجَّةً لا يداني
عمرَها في الكفاح خمسون جيلا
أيَّ روحٍ جدّدتَ رانت بمصرٍ
وعقولٍ بدّلتَها تبديلا
وشعوبٍ حرّرتَها من قيودٍ
كان يبدو فكاكُها مستحيلا
أيها الحاملون نعشَ «جمالٍ»
كبرَ الصبرُ أن يكون جميلا
قَبِّلوه ومن لكم بحبيبٍ
تستلذّون بعده التقبيلا
ربَّ قومٍ رأَوْا عزيزًا عليهم
أن تخرَّ الدنيا له تبجيلا
سخروا منه كيف ولَّى فِرارًا
بعد وعدٍ بمحو «إسرائيلا»
حمّلوه وزِرَ الهزيمةِ لمّا
خجلوا أن يُحاسبوا المسؤولا
كيف يرجو شعبٌ تمزّقه الفُرْ
قةُ نصرًا على العِدا مكفولا
أتراهم لكلّ ما يضمن الوَحْ
دةَ ينسَوْن سعيَه الموصولا
جاد بالروح يفتدي أخويهِ
يتّقي فتنةً ويُطفي فتيلا
رائباً صدعَ أمَّةٍ قد توخَّى
عبثًا لاختلافها أن يزولا
جمعتْها على الدواهي دروبٌ
شتّتَتْها عقائداً وميولا
حمّلته من التكاليف عبئاً
لم يَجِدْه كالآخرين ثقيلا
كم على لمِّ شملها سألتْه
أن يضحّي فلم تجده بخيلا
ما اكفهرّتْ له الحوادثُ إلا
كان أقوى عزمًا وأهدى سبيلا
علّةُ القلبِ في وريدَيْه تسري
وهو يأبى أن يستريحَ قليلا
وشهيدٌ مَنْ مات نِضوَ جهادٍ
في سبيل الأوطانِ أو مقتولا
أيها الراحلُ الذي سخّرَ الْل
هُ له في لقائه «جبريلا»
شرفُ الخلدِ أن يضمّك فذّاً
بين من ضمَّ مُصِلحًا ورسولا
قد فقدتم يا أهلَ مصرَ شهاباً
لاح نحسٌ له فمال أفولا
فاسألوا اللهَ أن يمنَّ عليكم
بمثيلٍ وعزَّ ذاك مثيلا