النجمُ فوقك باهتٌ يتأملُ
فلمن تُغنِّي في الدجى يا بلبلُ!
كم جهشةٍ لك في الجناح عرفتُها
هي في غنائك أدمعٌ تتسَلْسل!
وفِدا جناحِك إن ترأْرأَ بالندى
جفنُ الحبيب وهدْبُه المتبلِّل
إني عرفتُكَ من فؤادي خفقةً
أو لست بين جوانحي تتنقَّل؟
ماذا طوافكَ بالبيوت، أعاشِقٌ
خلف النوافذ للهوى يتوسَّل؟
أو طفتَ تستجدي القلوب كعازفٍ
متجوِّلٍ في عزفه يتسوَّل؟
هيهات تنفحكَ القلوبُ بخفقةٍ
أما الشفاه فبِالتبسُّم أبخل
الناس تطرب للشقاء، وشدْوُهُ
قيدٌ على رجل الأسير يُجلجل
أربابةُ البدويِّ في أبوابهم
أم أنت قيثارُ السّماء المنزل؟
لوَّثتَ شدْوَك من لهاث صدورهم
فانفضْ جناحَك من وَبا لا يُغسل
واهجرْ حدائقَهم، فمن أنفاسهم
فيها تسمَّمَ زنبقٌ وقرنفل
ألأجل حبّاتٍ ببابيَ واقفٌ؟
فلأنت أحظَى في الغنى لو تعقل
لك في الضياء مع الشموس أسرَّةٌ
فيها تُهزُّ لك الصَّبا والشَّمْأَل
ولك اللآلئُ عن ثيابك في الضحى
والفجرِ تنفضُها وثوبك مُخْمل
لم ألقَ قبلك سيدًا متنازلاً
عمّا لديه، ولا أميرًا يسأل
أُلبستَ من دنياك أنعمَ حلَّةٍ
ما لي أراك بوشْيِها تتململ؟
لو كان ثوبك لي غطاءً في الدجى
لغفَوْتُ والدنيا همومٌ تهطل
أنا ما حسدتُك للنشيد فإن لي
وترًا يموج به الشّذا والسَّلسل
وترًا يصوِّر عازفًا، في شدوه
دنيا توشِّحُها الرؤى وتكحِّل
حمل الحياةَ وشجْوَها وهمومَها
لله أنملُ عازفٍ ما تحمل!
إن عقَّني وطني ففي وتري الغنى
هو خالقُ الدنيا التي أتمثل
لا بل حسدتُكَ للجناح فهاتِه
وإليك عنه راحتي والأنمل
أيطير عن دنياه غيرُ مجنَّحٍ مثلي
ومثلُك من سماه ينزل؟
أرخصْتَ شدوك للأنام، فدعهمُ
كم ضاع بينهمُ نبيٌّ مرسل!
والليل، ما يُجديك لو غنَّيْته
لا أنت ناقوسٌ ولا هو هيكل
الليلُ إما غائصٌ متهالكٌ
في شهوةٍ، أو راهبٌ متبتِّل
اسكتْ فمثل القبح حسنُك عنده
ذو ألفِ عينٍ وهْو أعمى أحول
واذخَرْ نشيدك للصباح وطِرْ به
فالحقل موطنُك الحبيب الأول
ولك السنابل أَنملٌ من عسجدٍ
تَقريك لؤلؤَها وكأسُك جدول
ومليكُكَ الفلاح إن تهتفْ به
للخير هَلَّ على يديه المنجل
ملكٌ يهيم هوًى بمثلِك شاعرًا
لبِقًا ببهجةِ مُلكِه تتغزَّل
أفلا تحبُّ العيشَ تحت لوائه؟
يا ليت لي حقلاً وفيه منزل