ضجَّتِ الشمسُ من عَمانا على الأر
ضِ ولَمَّتْ أهدابَها عن عَمانا
اخجلي يا عيونُ من مُقلةِ الشم
سِ وغضِّي عن وَهْجها الأجفانا
وصمةٌ نحن في جبينِ سناها
قد مسَخْنا أضواءها نيرانا
وأطلّتْ، فكلُّ بسمةِ نورٍ
خبّأت خلفَ وهْجِها بركانا
كابتساماتِ حقدنا، كم ضحكنا
لنُواري وراءها بُركانا
قد مهرْنا بالشرِّ فلذتَها الأر
ضَ ضروبًا، وبالأذى ألوانا
ففجَرْنا السيولَ فيها دماءً
وركَمْنا التُّلولَ من قتلانا
وشقَقْنا الأوداء فيها قبورًا
وطوَيْنا سهولَها أكفانا
ما خطَوْنا للخير يومًا عليها
وَسَمَ الشرُّ وجهَها بخُطانا
وهتكْنا خدْرَ الطبيعة عنها
وانتهكْنا عفافَها الفتّانا
كم رداءٍ للحسْنِ قد لبسَتْه
من يدِ الله مزَّقَتْه يدانا!
قد دحَرْنا عن مُلكِه الوحشَ فيها
واقتسمنا غاباتِه أوطانا
واحتذيناه زأرةً وافتراسًا
ووسَمْنا بوسْمِه الشجعانا
ما أرى الغابَ قد تغيَّب عنه ال
وحشُ روحًا وإن يَغِبْ جُثمانا
ها هو الوحشُ قد تنكَّر فينا
فتردَّى ثيابَنا وحُلانا
لم نشرِّفكِ يا بنةَ الشمس دارًا
لا ولم تنعمي بنا سُكّانا
قد نزَعنا إلى النجوم صُعودًا
هل تراها كانت لنا بُلْدانا؟
أطلقينا وخفِّفي عنك منّا
واستريحي من شرِّنا وأذانا
فعسانا هناك أهلاً بأهلٍ
نتَآوى ونلتقي إخوانا
ليس شيءٌ على ثراك تراه
عينيَ اليومَ مثلما أمسِ كانا
صبغةُ الموتِ من دمٍ وضرامٍ
وحَّدت من ترابِك الألوانا
أين لونُ الربيع؟ كادت جفوني
فيك تنسَى النسرين والأقْحُوانا
كلُّ نبتٍ عليك يا أرضُ وردٌ
شربَ النبتُ لونَه من دمانا
كلُّ فجرٍ على سمائك ليلٌ
مستعيرٌ سوادَه من أسانا
أين ذاك البساطُ من يانع الأزْ
هار قد صار للحِمام خُوانا؟
خنقَ النتنُ فيه رائحةَ العط
رِ وغطَّت أشلاؤُه الريحانا
وتوارَى بالنَّحل عن مرشفِ الشَّه
دِ وأدنى الذبابَ والذّؤْبانا
ونفى البلبلَ المغَرِّدَ عنه
وأضاف النسورَ والغربانا
أيها الموتُ سربُك الخَلْقُ فانحرْ
منه ما شئتَ واطعمِ الضّيفانا
وأقمْ سفْرةً على كل سفحٍ
وعلى كل ربوةٍ مهرجانا
ما ترى الأرض برَّجَتْها المآسي
فكسَتها الجراحَ والأحزانا
ضرَّجتْ وجهَها القذائفُ بالنا
رِ وأرخَتْ لها الغطاءَ دخانا
عمِيَتْ فوقها الدروبُ وسارت
فوقَها العُرْجُ تدفع العمْيانا
عاصبين الرؤوس من مزق الأثوا
بِ وَلْهَى مشرَّدين حزانى
جُوَّعٌ عُطَّشٌ عُراةٌ حفاةٌ
شرَّدَ الذعرُ نومَهم والأمانا
من هُم؟ إنهم طرائدُ حربٍ
غازلوا بِكْرَها وزفّوا الغوانا
يتآوَوْن ذلةً لا ولاءً
يتآخَوْن لوعةً لا حنانا
جمع البؤسُ شملَهم لافتراقٍ
مثلما الذبحُ يجمعُ القطعانا
وتقصّاهمُ الحِمامُ جُموعًا
بعد ما عفَّ عنهم وحدانا
أجسومٌ تكدَّستْ عارياتٍ؟
ما على المَيْتِ أن يُرَى عُرْيانا؟
أم جذوعٌ صرعى انتقامِ فؤوسٍ
قشرَتْها وذرَّتِ الأغصانا؟
غطَّتِ الطّرْقَ فاكنسِ الأرض منها
أيُّها الموتُ واطعمِ النيرانا