داعي المنون بكلِّ باب يَطُرُقُ
فعلام يهتمُّ اللبيبُ ويُطْرِقُ؟
فإذا دعا شخصًا يجيبُ بسرعةٍ
فكأنَّه لحبيبه يتشوَّق
يسقي بكأسٍ لا تزول بمحفلٍ
إلا وشملُ سروره يتفرّق
ما إن يُعارض حكمه فمن ارتجى
إبداء معذرةٍ فذلك أحمق
أعظمْ بروعة حادثٍ من هوله
سَعة الحياة بطولها تتضيَّق
يا وحشَ داعٍ جاء مَنْ قِبَلِ السّما
يختار من بنجومها يتمنطق
سأل المحافلَ أين مالكُ عصرِه؟
فأجابه ابن العالم المتوفّق
مستسلمًا لقضا الإله وخلتُ إذ
علَمُ الهدى قد هُدّ نفسي تُصعق
ما عاقني ولدي الأريبُ وإنما
عاقته عني حاجةٌ هي أسبق
عِلمًا بأنَّ هواه وفق إرادتي
أمري لديه هو الصّواب الأوفق
ناديته والقوم حول سَريره
روحي فداك ألست بي تسترفق؟
كيف الفراقُ وما بلغتُ بك المنى؟
مهلاً فقلبي من فراقك يغرق
أين الذي أمّلتُ فيك رجوعَه
من جاه علمٍ كاد رسمه يَخلَق؟
أين الذي أعددت فيكَ لفتيةٍ
جحدوا المشارك في المقام ليرتقوا؟
أو ليس تُلقِمُ فاهمًا حَجَرًا إذا
راموا مطاولةً فلم يتشدقوا؟
فمضى ولم ينظر لوحشي بعده
عهدي به يُصغي إليَّ ويُشفِق
رام الوداعَ ولم أطقْ توديعَه
وعلى مشيبي عَبرةٌ تتدفق
يضع الخدود على يدي فكأنه
يجد الشفاء بلثمها إذ يلصق
ما ضمَّها لفؤاده متعطفًا
إلا ومن أسفٍ فؤادي يُحرَق
لم أدرِ هل كبدُ المودعِّ مُزِّقت؟
أم ذاك درٌّ من جفونيَ مُهرَق؟
قال الشفاعةَ يا رسول الله ثمْ
مَ هوى كأنَّه سابحٌ إذ يغرق
ما حسَّ آلامَ الممات كما رأى
في النوم إذ رأ[ى] والجفون تُصدِّق
فمنامه دخل الجِنان بنفس ما
ألقى بزمزمَ نفسَه متحقّق
ورأى النبَّيَّ ببابها واستبشرتْ
أهلُ الجنان به وحيُّوا إذْ لقوا
صبرًا وما صبري عليه بممكنٍ
لكنَّني عما قريبٍ ألحق
إن شقّ ذو الرُّزء الجليل جُيوبَه
فرزيَّتي تُبلي الحشا وتُمزِّق
صبرًا على غدر الزمان فإنّه
دون الأماني بالمنايا يَُسبق