مِنْ بَعْدِ لَيْلٍ، جَلَسْتُ وَالآهَاتُ تَلْوِي فِي حَشَاتِ
وَالعَيْنُ تُطْلِقُ دَمْعَهَا كَالمُزْنِ تَرْوِي الحِكَايَاتِ
أَمَرْتُ قَلْبِيَ أَنْ يَخُطَّ هَوَاهُ، وَيَصِفَ الذَّاتِ
فَأَبَى القَلَمُ.. وَقَالَ: بَلاءُ الحُبِّ يَفُوقُ مِحْبَرَاتِ!
فَقُلْتُ: لِمَاذَا؟ فَقَالَ: الدَّاءُ فِيكِ، لَا فِي الأَدَوَاتِ
عَذَابُ رُوحِكِ مِنْ سِنِي الدَّهْرِ، وَمِنْ تِلْكَ الطَّعَنَاتِ
أَمَّا الغَرَامُ فَفَارِقِيهِ.. فَالصَّمْتُ أَجْمَلُ مِنْ تِلْكَ المَعَانَاةِ
قُلْتُ: كَيْفَ؟ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالوَصْلُ أَحْرَقَتْهُ المَسَافَاتِ.
فَقَالَ: احْكُمِي بِالفِرَاقِ.. فَفِي القُرْبِ مَوْتٌ وَشَتَاتِ!
جَلَسْتُ بِصَمْتِيَ الحَائِرِ أَرْقُبُ كُلَّ الجِهَاتِ
سَأَلْتُهُ بِنَظْرَةٍ: مَا بِكَ؟ وَفِي عَقْلِي أَلْفُ سُبَاتِ
فَقَالَ: "الفِرَاقُ مُحَتَّمٌ".. بَيْنَ دَمْعِكِ وَتِلْكَ الابتِسَامَاتِ!
رَدَّ بِنَبْرَةِ الخَائِنِ: "مَعَ السَّلَامَةِ لِتِلْكَ الفِرَاقَاتِ"
فَبَكَيْتُ بُكَاءَ مَنْ مَاتَتْ.. وَسَأَلَنِي القَلَمُ عَنِ الصَّرَخَاتِ!
قَالَ: "كُفِّي عَنِ الوَهْمِ.. وَلَا تَعِيشِي فِي المَرَايَا الوَاهِيَاتِ"
فَانْسِيهِ.. فَلَنْ أُجَالِسَ بَعْدَ اليَوْمِ رُوحاً مَجْرُوحَاتِ!
سَأَلْتُ نَفْسِي: هَلْ تَتْرُكِينِي؟ فَقَالَتْ: أَنَا لِلنِّهَايَاتِ
وَحَادَثْتُ رُوحِي.. فَقَالَتْ: وَفَاؤُكِ سَبَبُ الهَاوِيَاتِ!
ضَاقَ الفُؤَادُ.. وَتَعِبَتْ ضُلُوعِي مِنْ نَارِ الحَسَرَاتِ
لَا رَفِيقٌ.. وَلَا حَبِيبٌ.. وَلَا يَدٌ تَمْحُو العُيُونَ الدَّامِعَاتِ.
أَشْكُو لِأَوْرَاقِي الَّتِي سَتَجِفُّ يَوْماً فِي مَهَبِّ الآهَاتِ
فَمَا وَجَدْتُ مَلْجَأً.. إِلَّا لِرَبِّ العَرْشِ قَاضِي السَّمَاوَاتِ.
فَطَوَيْتُ أَوْرَاقِي وَقَلْبِي يَرْتَجِي.. نَيْلَ الثَّبَاتِ
وَرَحَلْتُ عَنْ دُنْيَا الهَوَى.. لِأَعِيشَ بَاقِي الآتِ
لَا القَلَمُ يَكْتُبُ خَيْبَتِي.. أَوْ يَسْتَعِيدُ شَكَاتِ
حَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا إِلهِي.. مُنْزِلُ الرَّحَمَاتِ.