تخطَّ إلى المحتوى

فوق الحياة على ذرا الجوزاء

غير معروف

٧٣ بيت

المتفرقات

فوق الحياة على ذرا الجوزاءِ

شُعَلٌ تُضيء مواكب الشُّعراءِ

وعلى حِفاف الخلد من عَدْنٍ رَنَتْ

حوّاءُ في أثوابها الشفَّاء

أصغت إلى الأجواء واستأنَتْ فلم

تجِدِ الحقيقة في هدى الإصغاء

فتطلَّعتْ عينًا وأذنًا وانثنت

وتأرجحَتْ نغَمًا على الأجواء

تتساءلُ البسماتُ في نظراتها

عَمّا يغازلها من الأضواء

وتململت عجبًا وألقت روحها

بين الجموع كهمسةٍ رَوْحاء

تتشرَّف الآفاق حيرى لا تَرى

في الرحب غيرَ مَراقصٍ غَنَّاء

وعلى المشارف غنوةٌ مسحورةٌ

رفَّت كأحلام الصِّبا البيضاء

زخرت بها جنّاتُ عدنٍ فانثنت

ألفافها في الرقص والإيماء

واستيقظت نُعْسُ الزهور وأومأت

في سكرةِ الأنسام للأنداء

فترنَّح النشوان من خمر الندى

واستيقظَ الأفق القريب النائي

لم تُكشف الأستار عن مكنونها

إلا كما انكشف الخيالُ لراء

ووراء ركب العابرين معازفٌ

نشوى الخوالج عذبة الإشجاء

اللهفةُ الكبرى تؤجّ بها رؤىً

تنسابُ خلف الأعينِ النجلاء

وعلى الشفاه اللُّعْسِ تشدو غنوةٌ

ترجو الفداء لها وأيُّ فداء

مرقت كما مرق الخيال وأوقفتْ

شبحًا يداني الأفق في خُيَلاء

قالت له بالله يا قمرَ الدُّجى

ماذا وراءك من صدًى ودعاء؟

من بالركاب؟ وما وراء نشيدِهِ

ولمن تُضاء منابر العلياء؟

هو شاعرٌ؟ - لهفي بربك دُلَّني

أهو المشير بشرفة الجوزاء؟

خذني إليه ودع يمينك في يدي

وإذا أبيت فخذ إليك ردائي

تعشى عيوني إن نظرتُ لضوئه

وأنا أخاف على سناه فنائي

فأجابها من أنت؟ قالت إنني

من عهد آدمَ قِبلةُ الأحياء

ليلى أنا أحيا بكل سريرةٍ

وأعيش فوق الشّمس والأرجاء

وأنا «منيرفا» ربَّةُ «الأولمب» والشْ

شُعراء والحكماء والطلقاء

في حانتي سطعت نجوم قداستي

وبروح «هوميروسَ» كان ثوائي

حتى انتهت دنياه من آمالها

ورأت فنائي فيه كل بقائي

ولقد تمنَّيت الحياة بأرضه

بشريَّةً في الطينة الرَّمضاء

وطفقت أسألُ عنه كل ثنيّةٍ

في الأرض حتى مزّعت أشلائي

قد كان يعمرني الوجود بأرضكم

لو لم تُردني الأرض للفحشاء

وتقاذفت عيني الخيالات التي

زخرتْ بها روحي على الدأماء

ثم انطلقتُ كما انتهيت يسوقني

روحُ السّماء ورائدُ الشهداء

عذراءُ راحت للسماء كما أتت

في حبِّ آدمَ لم تفُز برجاء

وأنا الخيال تجسَّدت نظراته

في الأرض قبل البدء في حوّاء

تتثاءب الأيامُ في حسّي رؤًى

مكرورةً تحيا بغير عزاء

في شاطئ الأعراف أحيا لا أرى

غيري يعيش سوى هوايَ ودائي

أترقَّب الآتين من دنيا البِلى

كفراشةٍ في ليلةٍ قمراء

واستيقظت في فرحتي أحنائي

وترنحت في سكرتي أدوائي

ولمحتُ أطيافًا تجوسُ سماءَهُ

فسرقتُ روحي وامتطيتُ سمائي

حتى أتيت مواكبًا محشودةً

سَدَّت مدار الأفق والأرجاء

فأجابها إني عرفتكِ في دمي

ولثمت دائي فيك قبل دوائي

قالت له من أنت؟ قال أنا الذي

هدَّمتُ رسمَ الدارة القفْراء

وأسَلْتُ نفسي في هوى الحان التي

سكرت بنفسي وانتشت من دائي

وأنا النواسيُّ الذي لبس الدُّجى

وأحاله قمرًا من اللألاء

قالت له روحي فداك فخذ يدي

فلطالما أترعتُ فيك إنائي

خذني إليك أبا نواسَ فقال لا

لن أستطيع وفي يدي حوبائي

إنا على الأعراف يا أختَ الهوى

وزجاجتي سكرى من الإغراء

لا تهمسي إن المعرّيْ قادمٌ

يمشي الهوينى مشيةَ الرحماء

وأنا هنا بابُ الطريق فأفسحي

للقادمين وأترعي صهبائي

أما عن ابن أبي ربيعةَ صاحبي

ومنادمي في غفوة الندماء

فاستقبليه وداعبيه ورتِّلي

في مسمعَيْه مَلاحني وغنائي

وإذا أتى متنبِّئُ الأجيال فا

رسُها وموقظُها من الإغفاء

فاستنفري عيني النعاسَ لعلّني

أحظى به في موكب الغرباء

وبدت على عرش النجوم منارةٌ

رقصت لها الأشباح في الصحراء

وأشَعَّ في الآفاق جِنَّةُ عبقرٍ

في شملةٍ مخطوطةٍ حمراء

وأبو نواسَ على المشارف باسمٌ

يرنو بمقلةِ شاعر الصهباء

متبسِّمُ النظرات مخموُر الهوى

مترنّحُ الأعطاف والأحناء

واستغشت الآفاقُ في نغمٍ سَرى

كالنور في دهمومة الظلماء

وتراقصت أملاك عدنٍ فرحةً

في رفرفٍ من مرمرٍ وضّاء

وتصاعدت أنفاسهنَّ رخيمةً

كالعطر ينسِمُ مخدع العذراء

مسَّت شَغاف الأفق وانسابت على

ثَبَجٍ من الأحلام والأهواء

وأطلَّ رَبُّ الشعر من عليائه

ترنو الشّموس إليه في استحياء

وتطيف أجيالٌ من الماضي الذي

صعدت به الآباء في الأبناء

يمضي فتنساب العذارى حوله

هِيمًا كأضواء المنى الحوراء

لولا انطلاقُ الروح في موج السنا

لانسابت الأجساد في الإغواء

لكنّما الجنات مهوى أنفسٍ

خلصت من الأجساد والإغواء

قد عاش في الدنيا العريضة شاعرٌ

وجد الحقيقة في الذرا الشمّاء

فأحال دنياه على الروح التي

ملكته في الإفناء والإحياء

ورأى بمدرجة الحياة مشاعلاً

قد أُطفئت في ليلةٍ ليلاء

فأضاءها وروى مَعين خيالها

حتى بدت في شعّها كذُكاء

ورأى الهداية في مسيل شعوره

فانساب في الإرواء والإظماء

ورأى طريق الأنبياء مسالكًا

شتّى فبيّن دربَهم للرائي

اسمعْ معي لغة النبوَّةِ واتَّئِدْ

وانشدْ معي معنايَ في جوزائي

الأرضُ أرضُ الله في جنباتها

كل العباد وصفوة الخلفاء