رأيتُ بني الدنيا يُجارونَ من ظلموا
كأنَّ مالَهمُ تاجٌ إذا حكموا
إذا الفقيرُ بكى والدمعُ منسكبٌ
قالوا سقاهُ الذي في عيشهِ سئِموا
وإنْ أتى ذو غنىً قاموا لهُ عجلًا
كأنَّهُ ملكٌ في قومهِ عَظِموا
فالناسُ عباد دنانيرٍ لها خُلقوا
وما عدلوا، وما في قولهم حَشَمُ
تُباعُ نفسُ الفتى إن كانَ معدمَها
وتُشترى إنْ غدا بالمالِ مُكتتمُ
وكم صبورٍ على الفقرِ احتفى بيدٍ
بيضاءَ تبني ولا للذلِّ تَنهزمُ
فلا تُهنْ نفسَك العليا لذي دنسٍ
إنَّ الكرامَ بعزِّ النفسِ قد نُعِموا
ولا تقلْ خانَني دهرٌ برفقتهِ
فإنَّهُ ما جنى إلا لمن ظَلَموا
أنا الذي إنْ هوى السيفُ اعتلى جسدي
وما انحنيتُ لغيرِ اللهِ إذ رُحِموا
وسيفُ مالي قوافيَّ التي وَهِبَتْ
كرامةً للذي بالدينِ قد عَصموا
إذا أطلْتُ على القومِ احتفى بهمُ
كأنَّ سيفيَ لا يُثني ولا يُجَمُ
أرى العدوَّ وإنْ أبدى المودةَ لي
يبغي الهوانَ وقد خانَتْهُ أنجُمُ
فقُل لمن باعَ مجدًا كانَ يرفعهُ
بأنَّ شِرْعَتهُ في الأرضِ تَنْهدِمُ
ولا تُلاقِ امرأً بالمالِ تبهرهُ
فإنَّهُ للردى بالمالِ يَلتزِمُ
رأيتُ في الناسِ من يُبدي محبتَهُ
وخلتُهُ منْ جنودِ الغدرِ ينعدمُ
فإنْ زهاهُ الغنى عادَ الذي خذلتْ
أيّامُهُ، وجفاهُ الحُرُّ والحَرمُ
إذا الفقيرُ علا في قومهِ صبرًا
طغى عليهِ من الأوغادِ ما عَظِموا
وإنْ دنا صاحبُ الأموالِ مبتهجًا
لهُ جموعٌ بأيديهمْ قد اصطفوا
كأنَّ ما حازَ من دُنيا يُخلدهُ
وما درى أنَّ يومَ الحشرِ قد قسَموا
فما الأمانُ بمأمولٍ لذي خطرٍ
إلا بربٍّ كريمٍ كلما رُحِموا
ألا فقُم واركبِ الآمالَ مرتفعًا
فإنَّ عزمَ الفتى بالخيرِ مُلتزمُ
ولا تُهنْ عزةَ النفسِ التي نَبتتْ
بفضلِ ربٍّ كريمٍ رحمةً تَدِمُ
يرونَ الكريمَ المالَ حرًّا عزيزَهُ
وإن غابَ عنهُ صارَ يُدعى مُهندَمُ
وكم من فتىً ذو حِكمةٍ حلَّ بيتَهُ
ولم يُبصروا فيه الفخارَ المُعظَّمُ
ألا لا تلُمْني إن تركتُ جموعَهُمْ
فإنّي فتىً لا بالذليلِ أُسَوَّمُ
أبي علّمَ القلبَ الشجاعةَ صادقًا
وقالَ: اصبرنْ إن الزمانَ متهدِّمُ
فما نالَ مجدًا في الحياةِ مُذلَّلٌ
ولا صارَ فوقَ المجدِ إلّا المقدَّمُ
إذا المرءُ لم يصحبْ كرامًا فإنّهُ
سيبقى أسيرَ الطمعِ والحظِّ يُجرَمُ
فما المالُ إلّا فتنةٌ باتَ شرُّها
يروّضُ أقوامًا بلهفٍ ويندمُ
لعمركَ إنّ المرءَ في الأرضِ ما غنى
وجاهَ الهوى صارَتْ قلوبٌ تُقسِّمُ
ولكنْ إذا اشتدَّ السلاحُ وجابهَتْ
رجالٌ وليلٌ بالأسنّةِ مُظلمُ
فذاكَ الذي يدعو النفوسَ لعزّةٍ
يُريهم بأنّ المجدَ بالحقِّ يُغنمُ
أنا ابنُ الوغى، والصارمُ الحرُّ صحبتي
ومن لا يهابُ الموتَ بالذلِّ يُلجَمُ
أبيتُ على غصنِ الكرامةِ سامقًا
إذا المالُ في أيدي الجموعِ يتهدّمُ
أيا عبدَ مالٍ، قد خسرتَ عقولَهمْ
أترضى بحبلِ الطمعِ في القلبِ تُجمَمُ؟
ألا فارفعِ الرأسَ الذي باتَ واهنًا
فذلُّ الورى بالمالِ عارٌ ومأثمُ
فإنّ غدًا يومٌ تفرَّى بهِ القوى
ويُحشَرُ عبدُ الدرهمِ حيثُ يُقدَّمُ