مَرَّ النَّسِيمُ بِلَيْلِنَا يَرْوِي اللَّهَبُ
فَاهْتَزَّ قَلْبِي بِالْحَنِينِ وَمَا نَضَبُ
يَا دَارَ أَحْبَابِي الَّتِي كَانَتْ تُضِيءُ
بِنُورِ شَوْقِ وِدٍّ فِي لَيَالِينَا تُثَبُ
مَرَّتْ يَدُ الْأَيَّامِ تَمْحُو مَا بَنَتْ
حَتَّى غَدَتْ أَطْلَالُهَا أَثَرًا يُحَبُ
لَكِنَّ ذِكْرَاكِ الَّتِي فِي الْقَلْبِ تَنْبُضُ
تَبْقَى كَنَجْمٍ فِي السَّمَا لَا يَخْتَبُ
سَالَتْ سَوَاقِي الْأَرْضِ فَوْقَ رَوَابِها
حَتَّى غَدَتْ أَزْهَارُهَا كَالْحُسْنِ تَصُبُ
وَالطَّيْرُ يَشْدُو فِي الْفَضَاءِ كَأَنَّهُ
مِنْ قَلْبِ عَاشِقِهِ بِأَنْغَامٍ يُلَبُّ
وَالْغَيْمُ يَهْمِي بِالنَّدَى فِي شَوْقِهِ
يَسْقِي الْحُقُولَ، فَلَا جَفَافَ وَكَرْبُ
وَالرِّيحُ تَعْزِفُ لَحْنَهَا فِي خِفَّةٍ
كَالْوَتْرِ يَهْتَزُّ الْعَبِيرُ بِهِ وَيُحَبُ
يَا قَلْبُ، هَلْ تَنْسَى لَيَالِيَ وِدِّنَا
أَمْ كَيْفَ يَخْفَى مَنْ بِهِ الْعِشْقُ عَصَبُ؟
كُنَّا كَظِلَّيْنِ الْتَقَيْنَا فِي الْهَوَى
نَشْدُو بِلَحْنٍ صَافِيًا كَالْمَاءِ عَذْبُ
لَكِنَّ أَيَّامَ السَّعَادَةِ وَدَّعَتْ
فَغَدَتْ لَيَالِينَا كَأَحْلَامٍ تُسْلَبُ
أَبْكِي زَمَانًا كُنْتَ أَنْتَ مَلِيكَةً
فِيهِ، وَأَحْيَا بَيْنَ حُبٍّ لَا يُذَبُّ
رَاحُوا، وَخَلَّفُوا الْجِرَاحَ بِقَلْبِيَ
وَتَرَكُوا الْحُزْنَ الَّذِي لَا يَنْجُبُ
بَانُوا كَطَيْفٍ مَرَّ فِي أَحْلَامِنَا
ثُمَّ اخْتَفَى، وَاللَّيْلُ بِالشَّوْقِ يَلُبُّ
وَالْعَيْنُ تَبْكِيهِمْ إِذَا مَرَّ الْهَوَى
يَرْوِي الْحَكَايَا، وَالدُّمُوعُ لَهَا نَدْبُ
وَأَنَا أُوَدِّعُهُمْ بِآهٍ حَائِرَةٍ
وَأَظَلُّ أَحْلَمُ بِاللِّقَاءِ الَّذِي يَحُبُّ
يَا لَوْعَتِي! هَلْ مِنْ سَبِيلٍ لِلرِّضَا
أَمْ أَنَّ دَرْبَ الصَّبْرِ بِالْهَمِّ يَطُبُّ؟
قَلْبِي الَّذِي قَدْ ذَاقَ نِيرَانَ النَّوَى
بَاتَ الْأَسِيرَ الَّذِي بِهِ الْقَيْدُ يَنْحَبُ
حَتَّى إِذَا مَا اللَّيْلُ لَفَّ ظَلَامَهُ
ظَلَّ الْأَنِينُ فِي مَسَامِعِي يَطْرَبُ
أَبْكِي لَيَالِيَ قَدْ قَضَيْتُ بِهِ الْهَوَى
وَالْيَوْمَ أُفْنِي دَمْعَ عَيْنِيَ فِي الْغَضَبِ
قَالَتْ: أَمَا زِلْتَ تُحِبُّ وِصَالَنَا؟
قُلْتُ: الْهَوَى فِي مُهْجَتِي نَبْعٌ يَثُبُ
يَا زَهْرَةً سَكَنَتْ بِقَلْبِ عَشِيقِهَا
دُونَكِ لَا يُسْقَى الْفُؤَادُ وَلَا يَثُبُ
إِنْ كُنْتِ تَجْهَلِينَ مَدَى حُبِّي الَّذِي
يَنْمُو كَأَغْصَانِ الرَّبِيعِ إِذَا تَصُبُ
فَاسْأَلِي اللَّيْلَ الَّذِي قَدْ ضَمَّنَا
وَاشْهَدِي النَّجْوَى الَّتِي قَدْ لَا تُحْجَبُ
يَا حَرْبُ، كَمْ أَوْدَعْتِ قَلْبًا بِالْأَسَى
وَغَدَوْتِ فِي جَسَدِ الْأَنَامِ كَمَا لَهَبُ
سَلَبْتِ مِنَّا فَرْحَةَ الْعُمْرِ الَّتِي
كَانَتْ كَحُلْمٍ فِي اللَّيَالِي لَا يُسْلَبُ
لَكِنَّ قَلْبِي رَغْمَ جُرْحٍ نَازِفٍ
يَبْقَى صُمُودًا لَا يَلِينُ وَلَا يُهَبُ
وَإِذَا مَضَتْ أَزْمَانُ قَهْرٍ خَلْفَنَا
سَيَظَلُّ قَلْبِي فِي الْمَعَارِكِ يَنْتَصِبُ
يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصَّفَاءِ تَعُودُنَا
فَنُعِيدُ مَا ضَاعَتْ مِنَ الْأَحْلَامِ حِبُ
فَنَبِيعُ عُمْرًا مِنْ شَقَاءٍ قَدْ مَضَى
وَنَعُودُ نَرْوِي زَهْرَةَ الْأَيَّامِ، نَصُبُ
وَمَاضِي الشَّوْقِ كَطَيْفٍ هَارِبٍ
لَا يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَتِي، وَلَا يَثُبُ
وَيَبْقَى الرَّجَاءُ مُعَلَّقًا فِي مُهْجَتِي
حَتَّى أَرَى أَمَلِي الْقَدِيمَ بِهِ يُلَبُّ