ديارَ الحمى حيثُ القنا والصوارمُ
تُحيِّيكِ من عيني الدموعُ السَّواجمُ
لقد طرقَتْك الحادثاتُ فُجاءةً
وأهلُكِ في أمنٍ وبأسُكِ نائم
فبَيْناكِ والليلاتُ فيك ولائمٌ
إذا بِكِ والأنهارُ فيك مآتم
لكِ اللهُ لا تنفكُّ عنك نوائحٌ
ألم يبقَ في ذا الدوح إلا الحمائم
أدهرُك ذا الوادي من الدم مُتْرعٌ
إذا أمسكَتْ بالوَبْل عنه الغمائم
حلمنا بشيءٍ وانتبَهْنا بضدِّه
وما يجتني من كاذب الحلم حالم
وكانَتْ لجاجاتٌ فلمّا تيسَّرَتْ
تزهَّد مشتاقٌ وأقصرَ هائم
أُقيم بناءٌ بالعَراءِ على شَفا
ولم تَقْوَ آساسٌ له ودعائم
فما ظُنَّ منه قائمًا فهْو مائلٌ
ومن ظُنَّ منهم بانيًا فهْو هادم
وهل ينفع الأطلالَ تجديدُ عهدِها
إذا درسَتْ آثارُها والمعالم؟
لحَى الله قومًا حمَّلوكِ مغارمًا
وراحوا وفي الأعناق منك مغانم
همُ وعدوك العدلَ كي يظلموا به
أبًا ظالمًا لكن دَهتْك المظالم
ولا خيرَ في مُلكٍ إذا جار شعبُه
ولا خيرَ في مُلكٍ إذا جار حاكم
وكيف اتِّقاءُ الخطْب قد جلَّ وَقْدُه
إذا بردَتْ تحت الصدور العزائم
وأربعةٌ مرَّتْ ولم تَحْلُ لامرئٍ
تهادَتْ على الأقطار وهْي سمائم
سَعَتْ بالنيوب العُصْلِ تنفثُ موتَها
ولا عجبٌ بعضُ السنينَ أراقم
تُعوِّض يأسًا مَنْ غدا وهو آملٌ
وشامَ يقينًا من سَرَى وهْو واهم
ولما أباحوا حرمةَ الرأيِ للهوى
أهابتْ بأطماع الغُواة المآثم
فهبَّتْ هبوبَ الريح من كل جانبٍ
تُدافع عنها غيرَها وتُزاحم
فما تستطيبُ الحكمَ فيه مشاركٌ
ولا تستلذُّ الغُنْمَ فيه مُقاسم
ويُمسي لديها طائعٌ وهو خائفٌ
ويُضحي لديها آمرٌ وهْو واجم
وليس بمُجْدٍ في الغواية ناصحٌ
وليس بمجدٍ في الصبابة لائم
وكيف يقرُّ المجدُ في ظلِّ دولةٍ
وحامدُها يحيا بها وهو ناقم
تداعَوْا لنصرٍ والرَّجا عنك ذاهبٌ
فهلاّ تداعَوا والرَّجا لك قادم
وبتِّ وباتَ الدّاهمون تعاضدوا
فإمّا تراخَى داهمٌ شَدَّ داهم
فلم أرَ خطبًا مثلَ خطبكِ ناهضًا
يُدافعُه ملكٌ كملكِك جاثم
ولم أرَ مجدًا مثلَ مجدِك ناصعًا
يظلِّلُه حظٌّ كحظِّك قاتم
تطالعكِ الأقدار وهي عوابسٌ
ويا طالما حيَّتْك وهي بواسم
وترثي لبلْواكِ المدائن رحمةً
وقد حسدت فيك السرورَ العواصم
فيا مَنْ رأى تلك الفتوح التي خلَت
تجرَّعْ أسًى قد أعقبتْها الهزائم
لئن كنت في شُكران حالك جارمًا
فما أنت في شُكرانِ ماضيك جارم
سنبكي لعهدٍ عارُه متجدِّدٌ
ونأسى بعهدٍ مجدُه متقادم
وفي الدمع والتأْساءِ تخفيفُ لوعةٍ
إذا أثقلتْها الكارباتُ الكواظم