عادَ بِالحَقلِ يابِسًا في سِلَالِهْ
لا بِتُفَّاحِهِ.. ولا بُرتُقَالِهْ
عادَ بِالجُوعِ ناضِجًا.. لا بِشَيءٍ
يَدفَعُ البُؤسَ لَيلَةً عن عِيالِهْ
فارِغًا عادَ.. حامِلًا كُلَّ دَربٍ
كان بِالأَمسِ عابِرًا مِن خِلَالِه
عابِسَ القَلبِ، شاحِبًا، مِثلَ راعٍ
دَربُهُ صارَ شَوكَةً في نِعالِه
دامِيَ العَينِ، دائِخًا.. لا بِكَأسٍ
بين كَفَّيهِ.. إِنَّهُ ضِيقُ حالِه
يَسأَلُ النَّاسَ: مَن أَنا؟! ثم يَبكِي
وَحشَةً مِن نُفُورِهِم، وابتِهالِه
غُربَةٌ عن يَمِينِهِ حين يَرثِي
جَنَّتَيهِ.. وغُربَةٌ عن شِمالِه
غُربَةٌ تحتَ جِلدِهِ مِن رَمَادٍ
آدَمِيٍّ، وغُربَةٌ تحتَ شالِه
غائِبًا عادَ.. عارِيًا كَابنِ آوَى
حافِيًا كَابنِ عَمِّهِ، وابنِ خالِه
وَاسِعًا كالخَيَالِ في رَأسِ أَعمَى
ضَيِّقًا كالفَضَاءِ في صَدرِ وَالِه
لا يُغَنِّي.. كأَنّهُ بَيتُ مَوتٍ
زادَهُ اليُتمُ طَعنةً في احتِمالِه
يَدخُلُ الحَيَّ خائفًا، مُستَريبًا
مِن نَوَايا انتِباهِهِ وانشِغالِه
يُطلِقُ النَّارَ مِن عَصًا في يَدَيهِ
صَوبَ أَيدٍ تَحَرَّكَت في خَيَالِه
يُوقِفُ الضَّربَ، هازِئًا بِانفِجارٍ
بين عَينَيهِ.. لم يُطِل في جِدالِه
ضَيّقًا صار وَقتُهُ.. ليس يَكفِي
لِاجتِنابِ الخِصَامِ أَو لِافتِعالِه
ليس بين الكلامِ والصَّمتِ فَرقٌ
عند مَن صارَ مُدمِنًا سُوءَ فالِه
كُلَّما قال -مُقسِمًا- تِلكَ دارِي
قامَ وَهْمٌ مُكَفِّرًا عن مَقالِه
كُلَّما طارَ طائِرٌ.. ثارَ قَلبٌ
بين جَنبَيهِ.. باحِثًا عن مَجَالِه
بين يَومٍ ولَيلَةٍ صارَ كَهلًا
ساقِطَ الجَفنِ، طاعِنًا في هُزالِه
كُلُّ ذِكرَى رَصَاصَةٍ فَرَّ مِنها
تَدخُلُ الآنَ صَدرَهُ مِن سُعالِه
كُلُّ جُوعٍ أَمَاتَهُ عادَ أَقوَى
مِنه صَبرًا، وخِفَّةً بِاحتِيالِه
كُلُّ خَوفٍ أَزاحَهُ صارَ وَحشًا
طالِعًا منه.. وَاثِبًا مِن مُحالِه
لا يَعِي كيف، أَو متى، أَو لِماذا
أَدخَلَ النَّحسُ رَأسَهُ في حِبالِه
يا رِفاقَ السِّلاحِ.. هل مِن رَفِيقٍ
يَحمِلُ اليَومَ صَخرةً مِن جِبالِه!
لا تَلُومُوهُ إِن يَكُن عادَ يَأسًا
مِن هُداكُم، وخِيفةً مِن ضَلالِه
لا تَلُومُوهُ إِن يَكُن ماتَ جُوعًا
واغتِرابًا، ولم يَمُت في قِتالِه
كم -لِيَرتاحَ- واثِبًا كان، لكن
لم يَكُ المَوتُ رَاغِبًا بِانتِقالِه
هل لِعُودِ الثِّقابِ حَولٌ إِذا لم
يَلقَ كَفًّا تَحُكُّهُ لِاشتِعالِه!
كان يُلقِي بِنَفسِهِ وهو طاوٍ
لم يُهادِن عَدُوَّكُم أَو يُوَالِه
جاعَ حتى كَأَنّما صارَ جُرحًا
بَطنُهُ.. وهو صائِمٌ لِاندِمالِه
أَيُّكُم كان عابِئًا حين كان ال
مَوتُ نَصرًا لِجُوعِهِ وانخِذالِه
أَيُّكُم كان عابِئًا وهو يُمسِي
كاظِمًا غَيظَ رَفضِهِ وامتِثالِه
لا تَلُومُوهُ.. إِن يَكُن عادَ طَيفًا
لا يَعِي أَين جِسمُهُ مِن ظِلالِه
مَن يَكُن غيرَ عابِئٍ بِالمُغَنِّي
فليَكُن غيرَ عابِئٍ بِاعتِزالِه
ها هو اليَومَ عائدٌ، والشَّظايا
والكَوابِيسُ حَظُّهُ مِن نِضالِه
ذابِلُ الظَّهرِ.. باحِثٌ عن حَياةٍ
لم يَجِدها مُتاحَةً في ارتِحالِه
كان بين الحَياةِ والمَوتِ يَحيا
صار بين ادِّعائِها وانتِحالِه
مِن غُبارِ الظَّلامِ في كُلِّ شِبرٍ
منه جَيشٌ مُرابِطٌ لاحتِلالِه
يَنكُشُ الأَرضَ، قائِلًا: يا بلادي
طالَ شوقي، ف "كيف كُلِّنْ وحالِه"؟
ما أَنا غيرُ لائِذٍ مُستَجِيرٍ
لا تَكُوني وِشَايَةً لِاعتِقالِه
كنتُ أَرجُو شَهادَةً فيكِ، لكن
كان حَظِّي مُعانِدًا بِاحوِلالِه
يا بلادي الحُرُوبُ لم تُبقِ مني
غيرَ ضِيقِ البَريءِ في "بيتِ خالِه"
يا بِلادِي تَعِبتُ مِن أَكلِ قَلبِي
جائِعًا، وهْو مُتعَبٌ مِن غِلالِه
نازِحاتٌ مَواسِمي عنه.. لكن
هل لِ(غَيمانَ) مَهرَبٌ مِن (أَزَالِه)!
يا بِلادي أَنا الذي مِنكِ، لا مَن
زاغَ بين انقِلابِهِ وانفِصالِه
إِنَّ هذا التُّرابَ رُوحٌ بِجِسمي
كيف أَدرِي جَنوبَه مِن شَمالِه!
هذه بُندُقيّتي.. فاكسِرِيها
وافتَحِي البابَ وَاسِعًا كانقِفالِه
طَوِّلِي البَالَ إِن أَرَدتَ انتِقامًا
إِنَّ سِرَّ القَوِيِّ في طُولِ بالِه
واسمعِينِي.. فقد مَضَى أَلفُ عامٍ
مِن أَسَانا، ولم نُجِب عن سُؤالِه
إِنَّ شَعبًا يَموتُ مِن أجلِ فردٍ
لَهْوَ شَعبٌ بَقاؤُهُ مِن زَوَالِه
إِنَّ كُلَّ انتفاضةٍ لا تُداوِي
جُرحَ شَعبٍ.. كَفِيلةٌ بِاغتِياله
أَخسَرُ الخاسِرِينَ في الحَربِ ناجٍ
عادَ مِنها ورَأسُهُ رَأسُ مالِه