يُهَيِّجُني، فَيُتعِبُني النُّهوضُ
إلى مَطروحَ، بَحرٌ مُستَفيضُ
كَأنَّ الطَّيرَ عاكِفةً عَلَيهِ
نُجومٌ يَستَضيءُ بِها الوَميضُ
كَأنَّ جَميعَهُنَّ بِمِصرَ سودٌ
سِوى ذاكَ المَكانِ فَهُنَّ بيضُ
وَثَمَّ الرَّملُ تَنفُضُهُ مِياهٌ
فَثارَ، كَأنَّهُ مِسكٌ رَفيضُ
مَكانٌ لَيسَ يُشبِهُهُ مَكانٌ
فَلا قِرقِيسِياءُ وَلا اليَريضُ
وَلَم أعِ ما اليَريضُ سِوى سَماعٍ
وَقيلَ، عَنِ امرِئِ القَيسِ: الأريضُ
إلى مَطروحَ خُضتُ بِكَدِّ دَهرٍ
كَأنَّكَ لَم تَخُض سَفَرًا أخوضُ
وَلَمّا جِئتُه لَيلًا كَأنّي
بِلا مَرَضٍ يُتَعِّبُني مَريضُ
فَقالَ العَقلُ: بِت وَارتَح قَليلًا
فَماءُ البَحرِ باقٍ لا يَغيضُ
نَعَم، لكِنَّ قَلبيَ لي نَقيضٌ
وَإنَّ القَلبَ لَيسَ لَهُ نَقيضُ
وَقالَ القَلبُ: في الدُّنيا حَياةٌ
إذا ضاعَت، فَلَيسَ لَها مَعوضُ
فَتُصبِحَ مِثلَ شَوشَنَ رامَ شِعرًا
فَحالَ بِلا قَصيدةٍ الجَريضُ
وَظَلَّ العَقلُ يُزعِجُني وَقَلبي
فَحينَ تَعارَكا نُظِمَ القَريضُ
ألا إنَّ المَصائبَ مُشغِلاتٌ
وَفي الشُّغلِ المَشاعِرُ بي تَفيضُ
فَلَم يُفصَل عِراكُهُما بِشَيءٍ
سِوى شَمسٍ بِمَشرِقِها تَئيضُ
فَقُمتُ أرومُ بَحرًا وَسطَ رَكبٍ
وَكُلُّ القَومِ حالُهُمُ الرُّكوضُ
وَلكِن في الطَّريقِ غَفَوتُ، حَتّى
يَقِظتُ غَداةَ عَضَّتني البَعوضُ
وَلَم أغسِل يَدَيَّ سِوى بِحَوضٍ
كَأنَّ الطَّيرَ حَولَيهِ تَهيضُ
ألا إنَّ الزَّمانَ تَقَلُّباتٌ
وَمِن أعلاكَ يَسحَبُكَ الحَضيضُ
وَكُنتُ أظُنُّ أنَّ الصَّعبَ وَلّى
فَأرهَقَني وَأعطَشَني الرَّميضُ
خَليلَيَّ، المَكانُ هُنا غَريبٌ
فَلا سُكنًا أشاءُ وَأستَريضُ
ألا أرجو إلى الأقصى ذَهابًا
أوِ البَلَدِ الأمينِ بِفِيَّ غِيضُ
فَقالَ العَقلُ لي: في الصَّبرِ خَيرٌ
فَكَم قَبِلَ البَغوضاتِ البَغيضُ
وَقالَ القَلبُ: حَيثُ وُلِدتَ فَاذهَب
فَلا تُغني عَنِ البَيتِ الأُروضُ
وَلا يُغنيكَ مِن جوعٍ دَجاجٌ
إذا كَفَّت مَعيشتَكَ البُيوضُ
صَدَقتَ، فَهَل أُسافِرُ في جَحيمٍ
وَبَيتي جَنَّةٌ عَنها أَجيضُ؟!