زِدتَني تيهاً فزِدني عَطَشا
أنا لن أَشكوكَ يا هذا الرَّشَا
هو قلبي كلَّما عاندتُهُ
خانَ صبري وبكِتماني وشى
ثَقُلَ الليلُ وهذا قَمَري
لونُ خدّيهِ يُحاكي الغَبَشا
عَرَّشَتْ أَهدابُ عينيَّ لَهُ
فانظروا أيَّ مقامٍ عَرَشَا
أَسوَدُ المُقلةِ والطَرفِ وقدْ
حَلَّ في سَوداءِ قلبي وفَشَا
إنْ يَشَا وادَعَني في نظرةٍ
أو يَشَا أنتظر العُمْرَ أَشَا
وَنَصيبي أَنني في وَقفتي
بين عينيهِ ونيرانِ الحَشَا
عَطِشٌ أنتظرُ الوصلَ وَقَد
زادَ بالدَلِّ علينا ومَشى
كلُّ مَنْ رُمناهُ قَبلُ التَفَتا
أيُّها التّائهُ بالحُسْنِ متى؟
إنْ تكُنْ أوكلتَ ذا الحُسْنَ بِنَا
كُفَّ عينيكَ إذا ما رَمَتَا
قالَ والسَّكرةُ في مُقلتِهِ
هكذا العاشقُ يلقى عَنَتَا
هكذا العشقُ حريقٌ وَجَوىً
لم يَخُضْ نيرانَهُ إلاّ فتى
وتَثنّى وَشَرَى روحي فَمَا
عَرَفَتْ عيناهُ ماذا افْتَرَتَا
يا غزالاً نافراً من شَرَكي
صافَ بالشوقِ وفي قلبي شَتَا
كُفَّ عن دَلِّكَ قَدْ كلَّفَني
منذُ أمسى سيفُهُ مُنصَلِتا
أنتَ مُلِّكتَ وكم مِنْ مَلِكٍ
لَجَّ بالجَّورِ وبالحُكْمِ عَتَا
زيِّنِ العُمرَ إذا ما عَبَسَا
لا تُضِعْني في مجاهيلِ عسى
عَسْعَسَ الشوقُ وهذي زَورَةٌ
مَلأَ الليلُ خُطاها عَسَسَا
فأنا آنَستُ في حَرِّ اللَّمى
نهلةً جئتُ لها مُلتَمِسا
أعطِني واستَرِقِ الوصلَ معي
وخُذِ النّفْسَ وهذا النَفَسا
واسقِنيها أطفيءِ النارَ بها
مُزنةً في القيظِ تروي اليَبَسا
يا مليحَ الوجهِ يا مَنْ حُسنُه
كلّما أخرَسَ روحي هَمَسا
طلعةُ الفاتنِ في شَرْعِ الهوى
يأخذُ السُرَّاقُ منها قَبَسا
ها هُمُ الحرّاسُ عَنّا انصرفوا
نحنُ صُرنا لهوانا حَرَسا
أنا يا ذاتَ الخيالِ النَّزِقِ
وَجَلي رَحْلي وزادي قَلَقي
أيَتُها الشمسُ ومالي طاقةٌ
أنْ أُداري ضوءَها في حَدَقي
كيفَ نقَّرْتِ على نافذتي
كيفَ أشعلتِ دروبَ الشَّفقِ
كلُّ مَنْ أحرقتِ يا سيّدتي
نارُهُ بعضُ دمي أو حُرَقي
تُنكرينَ الصبَّ في خَمسينِهِ؟
أنا في الخمسينِ ربُّ الأَلَقِ
أخضرٌ قلبي وفي خُضْرَتهِ
غَرقَ الصبحُ بطيبِ العَبَقِ
ووَقَاري عندما ضيَّعتُهُ
عَاذَ من شيبي بربِّ الفَلَقِ
أنتِ أغويتِ فؤادي فارحَمي
لا تقولي ذنبُهُ في عُنُقي
لم تذُقْ أجفانُ عيني وَسَنَا
جلَّ من أعطاكَ وجهاَ حَسَنا
أَبدَعَ الخلاّقُ في إعجازهِ
واعتنى حتى تكونَ الأحسَنا
يزحَمُ النُوَّارُ في تَصخابِهِ
كلَّ عينٍ ويُبيحُ السَوسَنا
فتعالوا أَفْرشِ الهُدْبَ لكم
ليفيضَ الوقتُ أُنساً وَسَنا
مقلتي يضطرِمُ الوجدُ بها
وصهيلي لا يُطيقُ الرَسَنا
حَدِّقوا فيها تَرَوا إنسانَها
أنْسَنَ النيرانَ فيمن أنْسَنا
صَدَقَتْكم حالتي فيما رَوَتْ
وحديثُ الشوقِ عنها ألْسَنا
مَسَّنا العشقُ فهَلاَّ وقفةٌ
لتَروا أيَّ حريقٍ مَسَّنا
يا غزالاً رابياً في رَغَدِ
وضلالاً حبلُهُ من مَسَدِ
ودلالاً قد تصابيتُ بهِ
فأذاقَ الشيبَ حَرَّ الكَبِدِ
تبَّ عُذّالي فهم لم يَخبُرُوا
لسعةَ الشوقِ ومُرَّ الجَلَدِ
عتَّقَ العمرُ لحائي فأنا
قُرمةٌ نَسَّتْ من الجوزِ الصدي
إنّها خمسون مَرّتْ مثلما
قطرةٌ ضاعتْ ببحرِ الأَبَدِ
مكثتْ في القلبِ منها خُضرةٌ
وجُفاءً كان كلُّ الزَبَدِ
أيُعيبونَ علينا مَسَّنا؟
أيّها المَسُّ الذي فينا ازْدَدِ
بعضُ فخَّارٍ همو مُذْ خُلِقوا
وأنا والعشقُ من طينٍ ندي
أسكرتْنا وانثَنَتْ في غَنَجِ
وحُميّاها سَرَتْ في المُهَجِ
ومَشَتْ والشَرْبُ صرعى حولها
مثلَ ريحٍ عَصَفَتْ بالسُرُجِ
أطفأتْ كلَّ غريقٍ آثمٍ
لم يَجدْ في إثمِهِ من حَرَجِ
أرأيتُم أيَّ موتٍ فاتنٍ
أسكرَ الموتى بطيبِ الأَرَجِ
فارعٌ والوجهُ صبحٌ ماجنٌ
عينُه راشَتْ سِهامَ الدَعَجِ
أردفَ الموجَ على صهوتِهِ
وسبانا بعظيمِ اللُجَجِ
هَمَدَ العشاقُ في أحلامهم
ومشى ليلُ الدّجى في البَلَجِ
أيُّها الساقي عطاشى كلُّنا
فأغثْنا ياقريبَ الفَرَجِ
نَصَفَ الليلُ وديكُ العرشِ صاحا
والذي مثلُك أغفى واستراحا
سَرَحَتْ في خُضرةِ الروحِ يدٌ
وقضى سَرْحُكَ حُزناً وجراحا
فاتَكَ السِّرْبُ وما أصطدتَ مُنىً
يومَ كان الصيدُ مبذولاً مُباحا
يالهذي الكأس يعشو عَتَمٌ
نارَها، والمرُّ يغتالُ الصُّداحا
ناصَبَتْكَ الوهْمَ حتّى خلتَهُ
في ثنايا الروحِ ريحاناً وراحا
دافَها الساقي دهاقاً ، حَرُّه
يصرعُ الشَّرْبَ غبوقاً واصطباحا
فاصطَلِ الجّمرَ الذي آنَستَهُ
خافضاً من ذِلّةِ الإثمِ جَناحا
نَصَفَ الليلُ وهاجَتْ غولُهُ
وأبى النِّصفُ من الليلِ رَواحا
أنا في الخمسين صبٌّ مُستهامُ
ولأهلِ الجهلِ في الغيِّ إمامُ
فأتّقوا ضَعفي إذا ما طيفُكم
زارني في الليلِ والناسُ نيامُ
يبدأُ اللعبةَ لحظٌ فاترٌ
وكلامٌ.. فابتسامٌ .. فسلامُ
ثمّ يَلْظى العمرُ والعذرُ معاً
مثلما يلهبُ في قَشٍّ ضِرامُ
أنلومُ الحُسنَ..؟! هذا طبعُهُ
ماعلى الفاتنِ بالحسنِ.. مَلامُ
أم نلومُ القلبَ.؟ يبقى مغرماً
وَبه رغماً عن الشيبِ عُرامُ
كم لنا في ذِمّةِ العشقِ يدٌ
وله عهدٌ علينا.. وذِمامُ
فارحموا الآثمَ فيما حصدَتْ
كفُّهُ، فالظلمُ يا ناسُ حرامُ
صبوةُ الشيبِ ضلالٌ كاملُ
آثمٌ مجنونُها والعاقلُ
آثمٌ بائعُها والمشتري
والذي طافَ بها والحاملُ
لو رأيتُم ما نراهُ احتَرَبَتْ
خيلُ عبسٍ ثم تاهَتْ وائلُ
غَزِلُ الطَّرفِ جريءٌ لحظُهُ
يشتكي وهو الدَّلوعُ الهازِلُ
يدَّعي جَوراً.. وقلبي جارُهُ
ويُماري الحقَّ فيهِ الباطلُ
أيّ إنصافٍ ومالي ناصِفٌ
فَتَرَفَّقْ أيُّهذا القاتلُ
أيُّها التزهو له الدنيا أنا
في حِماكم مستجيرٌ نازلُ
ودخيلٌ يسألُ الحُسنى فَهَل
شيمةُ الحُسْنِ يُرَدُّ السائلُ
ملَّني الصبرُ فما معنى اصطباري؟
فأنا جارُكَ يا مَنْ كنتَ جاري
كم مِنَ الأعذارِ يشفي عُذرُها
وشفى العمرُ وقد شابَ عِذاري
أمِنَ العدلِ..؟ وهذي قسمتي
أنْ أُجاريكَ ولم تحفظْ جِواري
يا بشيرَ الثّغرِ.. والخدُّ لظىً
ومنيرَ النَّحرِ.. والمُشعِلَ ناري
يا جميلَ اللَّحظِ .. إذْ تقتُلُني
ما الّذي جئتَ به طالبَ ثأرِ..؟
جَأَرَتْ من بَسطةِ الذُلِّ يدي
فمتى ترحمُ ضَعفي وانكساري؟
أَكما الجدران لا تسمعُني ؟
صَنَمٌ حَظّي. وخَمشي في جدارِ
سَرَّك اللهُ أغثْني من دمي
ثمّ أطلقْ كيفما شئتَ أساري
رابَهُ الشيبُ .. ولغزُ الشيبِ صعبُ
والبرايا حَصْدُهُ .. والدَّهرُ حَربُ
عابثاً جاءكَ من مأمَنَةٍ
والأماني في يدِ الايامِ نَهْبُ
لاتُغَرَّرْ بالصِّبا يا عاذلي
سوف يخبو ضوءُهُ يوماً وتخبو
طافَ بي طيفاً فلمّا شاقَني
غالَهُ في معمعانِ الدربِ دربُ
وغداً يرميكَ عن صهوتِهِ
فإذا شرَّقتَهُ وافاكَ غَرْبُ
صَوَّحَ العمرُ وفزَّتْ أنجُمٌ
كلّما أمسكتُ سِرباً فرَّ سِربُ
يَبِسَتْ روحي وجفَّتْ دوحتي
وَسَقاني علقَمَ الأهواءِ قلبُ
يامُعيبَ الشيبِ يأتيكَ بهِ
طارقُ الايامِ ، ما في الشيبِ ريبُ
تنقَّلْ أيُّها النّاجي
من البلّورِ للعاجِ
وطبعٌ فيه للملكات ِمن دلٍّ وتَغناجِ
وأعظم في جلال الحسن من ملكٍ ومن تاجِ
أتأمل عطفةً ؟ زُرْهُ
وأنتَ الطّالب الرّاجي
يمنُّ عليكَ مقتدراً
بإحسان وإفراجِ
بشيءٍ من ضياء الصبحِ أو من ليلِهِ السّاجي
حظوظٌ طوعُ خطوتِهِ
وقد عبثَتْ بأبراجي
أناشدُه مواصلَةً
ويعرجُ كلَّ معراج
سلاماً أيُّها التفّاحُ يا خداً على الخدِّ
أحقاً راحت الأعوامُ بالشمّام والورد؟
وغامَتْ سكرةُ العنقودِ في عينيكَ بالوعدِ
كبُرنا وانطفتْ نارٌ
ولم تَنطُقْ ولم تُبدِ
ولم تشفعْ لنا يوماً
ألم نشبعْ من الوجدِ؟
فيا إثماً توعَّدَ غلَّتي بالبرق والرَّعدِ
أبَعْدَ الشّيبِ نصبو؟ جَلَّ من سمَّاكَ لي وحدي
وقيَّدني وعمَّدني
وقال الصَّبرُ يا عبدي
عاذلي فيهِ ألا قُلْ لي
بابليٌّ هوَ أم حِلّي
كوفتي كانَ وبغدادي
وجلالُ الطولِ في نَخلي
تاهَ في التيهِ فيا تيهاً
قد سبى العشّاقَ بالدَلِّ
وسباني آسراً روحي
كيفَ تَهنا اليومَ في ذلّي
أفَهذا منكَ إحسانٌ ؟
أم تُراهُ بُخلُ موصلّي
غيَّمَتْ سوحي وما غامتْ
غَمغَماتُ الوردِ في حقلي
سرَقَتْ ستّينَ أحلامي
ومَضَتْ بالرّوحِ والعقلِ
ظلَّ وَقْدُ الشّوقِ مجنوناً
هل رأيتم عاشقاً مثلي