في الخامسِ من شهرِ شباط ...
ولِدَتْ مريمْ ...
ولِدَتْ فاتنةً ،
نَضَّبَها الإشعاعُ الأمريكيُّ المُبْهمْ ...
نَضَّبَها حَدَّ العظمِ ،
ونَضَّبَنا حَدَّ الإحباطْ ...
لم نَشبَعْ من رِقَّةِ خدَّيها ...
لم نشبَعْ من زُرقَةِ عينيها ...
لم يَشبَعْ
من رائحةِ الصّدرِ الغضِّ
قِماطْ ...
ماتتْ مريمْ ...
لم تعرِفْ أنَّ الجَدَّ المفجوعَ بِها ،
دَمِيَتْ عيناهُ ...
لم تعرِفْ أنَّ أباها ،
وهوَ يُوَسِّدُها اللَّحْدَ ،
وتُمسِكُها بحنانٍ كفَّاهُ ...
سَيَظلُّ يُناغي ذكراها ...
لم تَعرِفْ أنَّ الأُمَّ المسبيَّةَ ،
والمَحنيَّةَ فوقَ وِسادتِها ،
تتَلَمَّسُ بعدَ رحيلِ حبيبتِها ،
رائحةَ القمَرِ المكسورْ ...
تتلمَّسُ وَمْضَ البرقِ الخاطفِ
بين حناياها ...
وبقايا العَبَقِ المغدورْ ...
رَحَلَتْ مريمْ ...
ماتتْ
في ذكرى الحربِ القَذِرةْ ...
وتوَقَّفَ قلبٌ غَضٌّ ،
شَوَّهتِ الحربُ شرايينَهْ ...
ماتتْ
تحتَ حريقِ النَّفَسِ المخنوقْ ...
بين ال ( لازِكْسَ ) ،
ومُرِّ ال ( كابوتينِ ) المسحوقْ ...
يا مُضغَةَ روحي
إنَّ الناسَ سكارى
بفجائعَ ضاريةٍ ، والعينُ سخينهْ ...
يا مضغةَ روحي
إنَّ النّاسَ حيارى ..
بأطبَّاءَ يفرُّونَ من القَتْلِ السّافلِ ،
والعصرِ الخازوقْ ...
فتَّشْتُ عن الشّارِدِ والوارِدِ منهم ،
في هذا السّوقْ ...
وعجزتُ فغُفرانُكِ ،
يا طعنةَ روحي يا مريمْ ...
ماتتْ مريمْ ...
ذبُلَتْ مريمُ
تحتَ قناني ال ( أُو.. تو) ،
وأنابيبِ السَيَلانِ الباحثِ
عن أورِدةٍ ، يبِسَتْ في كفَّيها ...
فلِماذا لم أستَعجِلْ
وضْعَ الأقراطِ لها ،
وأُزيِّنْ أُذنيها ؟..
ولماذا لم أشبَعْ من شمِّ أصابعِها ،
وعبيرِ سواعدِها ويَديها ؟..
كان الموتُ سوارْ ...
في شهرِ النكبةِ هذا المدعو آذارْ ...
ماتتْ مريمْ ...
ماتتْ في اليومِ العشرينْ ...
قبلَ تَفَتُّحِ أحداقِ الصبحِ
وأوراقِ الأزهارْ ...
سأجَمِّعُ باقَةَ (صُفِّيرٍ)
قُبَّعةً لطفولتِها ،
وشقائقَ نعمانْ ...
سأُجَمِّعُ باقَةَ عِطرٍ فاغِمةٍ لثَراها ...
أُودِعُها
فوقَ رفيفِ القبرِ النَاعِمْ ...
في اليومِ التَّاسعِ من شهرِ النّكبةِ ،
في نيسانَ القادِمْ ...
ماتتْ مريمْ ..
هل تعرفُني يومَ أزورُ حديقَتَها
في نيسانْ ؟..
كانتْ تَبْسِمُ بين خمائلِ روحي ،
ويُسابقُني زهوُ فراشاتِ دمي
لتمائمِها ،
وتناغُمُ موج الألوانْ ...
هلْ تعرفُ جَدّاً مجروحاً بالصّمتِ ،
وشيخاً
محشوراً في فمِ بركانْ ؟..
هل تعرفُ جَدّاً مكسوراً
في دمعةِ حزنٍ ، تتحدَّرُ
فوقَ أخاديدِ الشّيبِ بِلِحيتِهِ ،
كي تبرَأَ لحيتُهُ
من عُهرِ الإنسانْ ...
نامي يا بِضعَةَ روحي
يا مريمُ ،
نامي يا عبَقَ النُوّارْ ...
يا طائرَ بُشرى ،
حطَّ على شُرفةِ بيتي ،
في غفلةِ بيتي ،
لم يَتَّسِعِ الوقتُ
لأنثُرَ حبَّاتِ القلبِ لهُ ...
حتّى فزَّ من القلبِ
وطارْ ...