يا ليلُ يا ليلُ كمْ ناداكَ من طربٍ
صوتُ المغنّي فما حرّكتَ أوتارا!
يا فارسًا أسودًا ما كان أبيضهُ
كم كنتَ للناس خدّاعًا ومكّارا!
إن كنتَ للرّاحةِ الكبرى خُلقتَ فكمْ
أرحتَ عَينًا وكمْ أتعبتَ أفكارا!
وكم قتلتَ ضميرًا كان يخفقُ في
جوّ النفوسِ فغارتْ عندَما غارا!
وكم تمنّى بقاكَ العاشقون لهم!
وكم غدوتَ لعيبِ البعضِ ستّارا!
وكم ليالٍ تقضّتْ فيكَ من أرقٍ
نرعى النجومَ بها والبدرَ إذ سارا!
وكم حلَمنا برَغْدٍ في معيشتِنا!
وكم لقِينا بذاك الحُلمِ أكدارا!
وكم بكَ الشاعرُ الولهانُ منفردًا
قد باتَ ينظمُ دُرّ القول أشعارا!
وكم حجبتَ ضياءَ الشّمسِ عن نظري!
أنا المصوِّرُ بالأنوار أقمارا
لو أن للّيلِ معشوقًا يلوذُ به
لم تعرفِ العينُ لا نُورًا ولا نارا
تزحزحي يا غُيومَ الأفقِ وانقشعي
وهاتِ لي من عُيون الأفْقِ أنوارا
بل فاحمليني على أشباهِ أجنحةٍ
حتى أغادرَ ربعًا كان غدّارا
نحوَ الأثيرِ الذي فيه السّما سَبحتْ
أصبو لأتَّخِذَ الأفلاكَ لي جارا
هناكَ لا ليلَ يُشجيني ولا كرةٌ
تُحجّبُ النّورَ عني كيفما نارا