جلوتُكَ في الرؤى طيفاً حبيبا
يفيض على الضُحى ألقاً وطيبا
نزلت مع الخيال علی ضميري
فكنت على سريرته رقيبا
فرفَّ علی فمي نغماً وجيعاً
وفي كبدي -إذا هدأتُ- وجيبا
وعشُ في أضلعي حُرقاً، ودمعاً
على جفنيَّ متقداً خضيباً
وكنْ في الذِّكرياتِ هوىً ملحّاً
يظلُّ -على براءتهِ- مُذيبا
أنُنزلكَ التراب ولو عدلنا
أبحناك المحاجرَ والقلوبا؟
رضيتُ لك الضَّريح جوارَ قلبي
لتسكن مهجتي ساحاً رحيبا
إذا دعت العروبةُ في العوادي
بنيها كنت أوّلنا مُجيبا
أتيناها على عجلٍ، وقومٌ
أتوا من بعدنا درجوا دبيبا
تذودُ عن القضيَّة غير وان
وتمنحُها شبابك والمشيبا
طلعتَ على دجنتها مناراً
وقمتَ على منابرها خطيبا
ولمْ تنعم برِّيقةِ التَّصابي
فكيفَ؟ وكنتَ تحملها صليبا
مُنانا لو ترفُّ على الصحاري
لحالَ الرملُ مخضلاً خصيبا
وكنَّا نشرب الشَّفق المندَّى
مصابحةً فيسكرُنا مغيبا
لنا زهوُ الشَّباب فإنْ أبانا
مهرْنا غانياتِ المجدِ شيبا
وقلبٌ لا تعطِّرهُ الأماني
ولو نيْسنتُه يبقى جديبا
أليسَ الحسنُ آونةً رحيماً
يطالعُنا، وآونةً غضوبا؟
وأنهبك الجمالَ وكلَّ كنزٍ
وكان الشعرُ أوفرها نصيبا
تباركَ من يلوِّنه، وأعطى
خيالَك من تفنُّنه ضُروبا
أواناً رحت تغدقُهُ ندياً
وحيناً رحت تسكبُهُ لهيبا
وكان شبابُنا دنيا عطايا
فصارَ كبعضِ أوطاني سليبا
نزلناهُ فأوسعنا جراحاً
وقلَّدنا -على كبر- نُدوبا
وما عتبي علی زمن. ولكنْ
علی وطنٍ أضاعك عندليبا
فيا وطنَ الأبيِّ إلامَ يبقى
نجيُّك لائعَ الشَّكوى، غريبا؟