وخَوْدٍ كُكثبان الرِّمال نقاوةً
وفي الجيدِ والعينين تُشْبِه جُؤْذرا
تراها فيستهويك إشراقُ وجهِها
كبدرٍ على الأكوانِ يشرقُ نيّرا
إذا ما تثنتْ أخجلَ الغُصْنَ لينُها
وإن هي غنّت خِلْتَ داودَ زمّرا
وإنّ لها أمًا تنوء بعلّةٍ
مواتيةً في الصّدر تمنعها الكرى
تبيت بهمٍّ في الضّلوعِ مبرّحٍ
وتصبح تهمي عينها الدّم أنهرا
فكيف تداوي بالعقاقير أمَّها؟
وأين سبيل المال تبغي فيكثرا؟
أبوها ثوى من غير مال مورّثٍ
وأورثها همّا أليما مكدّرا
ولم يَكُ في دار التّعاسةِ دارِها
حُطامٌ فيُشْرى أو متاعٌ فيُشْتري
وقد أنفتْ أن يستباح جمالُها
ولم تَرْضَ أن تحيا على الأجْر والكِرا
جمالٌ ولا مالٌ، وداءٌ ولا دوا
فيا مالُ ما أحلى وأشهى وأنزرا!
دَرَتْ حَفْلَ سبْقٍ في المدينة قائمًا
فأمَّتْهُ تبغي أن يواتيَها الثّرا
تُغنّي وأحيانا تميسُ بقدِّها
وأترابُها يرقصْنَ رقصًا مخصّرًا
تؤمِّلُ فوزا قد يجيءُ ببِدْرةٍ
تداوي بها أمّاً سطيحا على الثّرى
فغنّتْ غِناءً قد تمنّاه جعفرٌ
وهرونُ والمأمونُ لكن تعذّرا
وقد برزتْ في الشَّدْوِ، والرقص والغِنا
فجلّت وصلّى من سواها وقصّرا
وفازت بكيسٍ بالدنانير مُفْعَمٍ
تعدّ به الألفين بزتًا مدثرا
فراحت بها تعدو لتسعفَ أمَّها
وتدفعَ أجرًا للطبيب مؤَخّرا
وتنبئَها أنْ سوف يبسِمُ دهرُها
فتغلب داءً قد بغى وتظاهرا
تقصُّ عليها قد رآنيَ محكمٌ
أديبٌ أريبٌ يحلبُ الدَّهر أشطرا
أتى لانتخاب الفائزات بحفِلنا
فأعجبَ بي، وانهال يثني فأكبرا
شدوت فأشجاه الغناءُ ولحنُه
وصوتٌ رخيمٌ في المسامع أثّرا
فنادى فمنّاني السّعادةَ والغِنى
وطِيبَ المنى والعيشَ ريانَ أخضرا
سيرسلها باريس تعرض فنّها
على ملأ من قومه راق مخبرا
وينقُدُها خمسين في كل غُرّةٍ
ويسلم منها العرضُ والجلدُ لا يُرى
ويعنى أساة الأم بالداء علّه
يزولُ، فجثمانُ العجوز قد انبرى
فوافقتِ الحسناءُ ترجو لأمِّها
شفاءً، وربُّ العرش يقضي بما يرى
ولكنها تُخفي غَراما يشفُّها
تحاذرُ أن يطغى عليها فيظهرا
أحبت غلامًا يافعًا ذا شجاعةٍ
يصارعُ ثيرانا كما أسد الشّرى
يجالدُها في حَلْبةِ الطَّعنِ والوغى
ولم يكُ في هذا الجلاد ليُقهرا
تدرّب لا يَسْطيع وحشٌ قِراعَهُ
إذا هيج ثورٌ شكّه فتعفّرا
وكانت تخافُ الوحشَ يبقرُ بَطْنَهُ
بقرنيه إذ يسعى إليه مزمجرا
وتخشى صراعا قد يعرِّض للرّدى
فتاها وما أقسى الحِمامَ وأقهرا!
فراحت ترى قبل الرّحيل خطيبَها
فخوراً على تلك الوحوش مظفّرا
فتبصره العينان في أوج عِزّهِ
وتسمع تصفيقَ الأكفِّ مظاهرا
ولم تعلمِ الحسناءُ أن فؤادها
يطير شَعاعا إن فتاها تَقهقرا
وأن له خصمًا ينازعه الهوى
سقاه فروّاه شرابا مخدّرا
فجاء إلى الميدان والعزمُ فاترٌ
وأعصابُهُ كانت من العزم أفترا
فمنْ يَرَهُ يحسبْهُ جِذعا مسنّدا
كسوه رداءً للمصارع أحمرا
وقد لوّحوا للثّور فاهتاج مُسْرعا
وذاك الفتى لم يخطُ شِبرا ولا انبرى
وأقبلَ ثورُ الوحش لا يعرف الونى
يثيرُ غبارَ النَّقّعِ رَملا وعِثْيرا
فلما التقى الخصمانِ لم يُلْفَ ذو نهًى
ولا حاضرٌ إلا استعاذ وكبّرا
وأيقنتِ الحسناءُ هُلْكَ حبيبها
وأن المنايا أنشبتْ فيه أظفُرا
وعزَّ عليها أن تراه مجدّلاً
صريعًا يعاني الموتَ خزيانَ أصفرا
فطافت بعينيها سحابةُ غشيةٍ
ودارت بها الأرضُ الفضاء فما ترى
لقد حملوها لا تعي ما أصابها
فلم تستفقْ إلا الصباحَ المبكرا
فلما صحتْ كان البراقُ مسارعا
يجوبُ فجاج الأرض أجهدَه السُّرى
أطالت من التسآل ماذا دهى الفتى؟
فنبأها ربُّ البُراق الذي جرى
لقد شقَّ ذاك الثورُ - والله بطنه
فيا ليته ما قال إذ قال منكرا