تخطَّ إلى المحتوى

أتتني هند مرة لتزورني

غير معروف

٤٤ بيت

المتفرقات

أتتنيَ هندٌ مرةً لتزورَني

على موعدٍ كنا ضربناه من قبلِ

ولم يكُ حولي غيرُ كأسٍ من الطّلا

تعوَّدَ أن يلهو بأمثالها مثلي

وعدّة أوراقٍ وبضع صحائفٍ

لأَفضلُ منها عندها صحفُ النُّقْل

فلما رأتْها قطَّبت قبلَ سلَّمتْ

حواجبَ تُزري بالقِسِيِّ وبالنَّبْل

وقالت أما تنفكُّ دهرَك هكذا

تروح وتغدو في الغواية والهزْل؟

أتجمعُ بين الخمر والحِبر مازجاً

بذاك بياضَ العقل مع ظلمة الجهل

فقلت بياضَ الخمر تعنين؟ إنها

لأحلكُ لو تدرين من شَعرِكِ الجَثْل

فكم قد أتتْ منها خطوبٌ، وأقبلت

كروبٌ وكم ساقت من العزِّ للذُّل

وكم من عقولٍ قد تمادى بلاؤُها

عليها، فأضحت وَهْيَ دائمةُ الخَبْل

وكم بطلٍ حامي العشيرة باسلٍ

فلما احتَساها صار أضعفَ من طفل

ولم تنصفي في وصفك الحِبْرَ مظلمًا

فذلك أنقى من جبينكِ والثَّغْرِ

لَعَمْرُكِ إن الحبر أبيضُ ناصعٌ

إذا ماجرَى من أُنْملِ الأبيض الحَبْر

فكم كُشفتْ منه دياجي نوازلٍ

وردَّ ظلامَ النائبات إلى الفجر

وكم سعدتْ منه أناسٌ، وكم غدا

إلى الله لو حققتِ ملتمِسُ الأجر

هو القائد الهادي إلى الفضل والحِجى

ونيل العلا، يجري به الخيرُ إذ يجري

يردُّ بياضَ المشرفيِّ سوادُه

وقد صار ما بين التريبة والنحر

ويفصل بين الفَيْلقين قضاؤُه

وقد مَرَجا، كالبحر يمرج بالبحر

يُريكِ الثريا قد تدانتْ من الثرى

إذا ما جرى في الطِّرْس سطرًا على سطر

فقالت لقد أخطأتَ فيما ظننته

صوابًا، وقد جاء اعترافك من نُكْر

تريقُ مياهَ الحبر جهلاً، وإنما

تَرقرقُ أمواهُ الحياة ولا تدري

وما أنتم الكُتَّابُ إلا معاشرٌ

تعيشون حتى لا تموتوا من العسر

عتبتُمْ على الأيام وهْي تصيبكم

بأحداثها عتْبَ المحبِّ على الهَجْر

ومن عاتب الأيامَ وهْي تسيئه

فليس لها غيرُ الإساءةِ من عُذر

وأنتم كما نلقى إذا ما سُررتم

سررتم بتحصيل الأماني من الوعْدِ

لكم في الورى مندوحةٌ تغنمونها

بأيسر مما تبذلون من الجهد

فكم بيننا أمثالُكم دونكم حِجًى

على زعْمكم متُّم وعاشوا على رغد

ربحتم حميدَ الذكر لكن خسرتمُ

نفوسَكمُ، فالويل من ذلك الحمد

تسخِّركم هذي الطبيعة للسِّوى

وتظلمكم ظلمَ المسوَّدِ للعبد

وليس خطوط الحبر إذ تصفونها

بأحلكَ لونًا من حظوظكم الرُّبْد

فقلت لها يا هندُ إنَّ نصيبَنا

نصيبُ رماةٍ قُدِّموا أولَ الصَّفِّ

ينالون من نَبْلِ العدى أولَ الردى

ويَغْنَمُ أَجْرَ النصر من كان في الخلف

ويا هند إنا بين قوم سَراتُهم

يرون الندى أدهى عليهم من الحتف

إذا ما دُعوا للمكرمات تناولتْ

أصابعُهُمْ آذانَهم حذَر َالقصف

شكا مدَّه طَرْفي إليهم تفرقعًا

عليهم، ولكن ما شكت مدَّها كفِّي

وخَسْفُ الثّرى بالحرِّ أهون محملاً

وأهون وقعًا من مُطاوعة الخَسْف

وأين الندى منهم؟؟ وإن أكفَّهم

لألينُ منها حافرُ الأحرد الطِّرْف

قنعت، وجانبتُ المطامعَ لا بسًا

لباسَ محبٍّ للنزاهة مستكف

وآنسني عَلّي بأن ليس ظاهري

مفيدي، ولا مُزْرٍ بحظيَ ما أخفي

فقالت كلانا قد أصاب، وإن يكن

كلانا لقد أخطا، وكنا على خُلف

وما الحق إلا ما يجيئك صادقاً

به الحسُّ، لا ما جاء بالنعت والوصف

وما هذه الأقوال إلا نقائضٌ

تصيبُ على حرف، وتُخْطي على حرف

فقلت وقالت، ما لقولي وقولها

فإنهما مثل البناء على جُرْف

وقلت لنفسي إنما العيش نُهبةٌ

فأبعدتُ عن حبري، وأعرضت عن صُحفي

فما حدثتْ حتى صرفتُ حديثَها

ومِلْنا كلانا للعتيق من الصِّرْف