أزادُ الدارِ مختارٌ دهينُ
وحقُّ الضيفِ مُجتنَبٌ لعينُ؟
هما قولان مختلفان جدًا
فأيُّهما نصدّق يا «أمين»؟
فإن كان القِرى مُخّاً لطيرٍ
فإن مقالَكَ الحقُّ المبين
وإن كان القِرى شِبَعًا ورِيّاً
فهذا القولُ ينقصه اليمين
وإن كان الكلامُ كقبض ريحٍ
فقبضُ الريحِ ليس له ديون
ولم أكُ بالمبخَّل ذاتَ يومٍ
وتشهد لي الموائدُ والصحون
فبيتي موئلُ الأضيافِ دومًا
وما أنا فيهمُ أبدًا ضنين
ولكني كرهتُ خَلاقَ قومٍ
نفاقُهمُ ابتذالٌ مُستبين
وحاقت بي كوارثُ قاصماتٌ
أذلَّ بلاءَها صبري المتين
فلم أجدِ الوفاءَ لدى صديقٍ
ولم يرعَ الصداقةَ لي قرين
تفقَّدتُ الوفيَّ فكان غُولاً
وأثخنَ جرحيَ الدامي الخؤون
يوالي ظالميَّ ولا حياءٌ
يواريه ولا نَسبٌ ودين
يقوم لربّه خمسًا طوالاً
وملء فؤاده غِلٌّ دفين
ويعشق منهمُ كلَّ ابنِ فَسْلٍ
نواشرُ قلبه كالفحم جُون
فإمّا ازددتُ شأنًا في بلادي
تصدّعَ منهمُ حِصنٌ حصين
وإن كُدِّرتُ بالأحزان يومًا
يسرّهمُ ولكنْ لاتَ [حين]
لأني السنديانُ له أصولٌ
وما للنجم أصلٌ أو غصون
فلذتُ بعُقر داري مستكنّاً
يُغالب أضلعي ألمٌ رزين
وعشتُ مُجانبًا لهوًا ولغوًا
مخافةَ أن تُظنَّ بيَ الظنون
وأن يغتابَني وجهٌ وَقاحٌ
بضاعتُه التهتّكُ والمجون
فإن كان الغنى ذهبًا نُضارًا
فإن غِنايَ تَرْكي ما يشين
وفارقتُ الديار فراقَ مَيْتٍ
رفيقايَ التأسّي والمنون
أوانًا في ربا باريسَ رحلي
وآونةً تُحيّيني «لُيون»
فلمّا أنهضَتْني كفُّ ربّي
وغاضت أدمعٌ وعنتْ شجون
ولما عُدتُ مطّرحًا همومي
وعاودَ خفقَه قلبي الحزين
تَحوَّطني الذين تكنّفوني
يبلّ كِذابَهم دمعٌ هتون
يرون بأنني القِدْحُ المعلّى
له تهفو القلوبُ أو العيون
وأن فريدهم لَفريدُ عصرٍ
يُقبَّل منه رأسٌ أو جبين
كأني ما اتّعظتُ بذي الرزايا
أَوَ انّي الطفلُ تفتنه الفتون
فأضحكني رياءٌ غيرُ خافٍ
وأبكتني من الدنيا شؤون
وصرتُ أشكّ فيمن أصطفيهِ
لعلمي أنه كالبعض دُون
وراودني لدى عَوْدي اغترابٌ
وهاج إلى التغرّب بي حنين
فتَرْكي أمرَهم ولزومُ بيتي
ونبذي الخمرَ إيمانٌ مكين
وقد كنتُ افتقدتُ أخًا ودودًا
وأحسب أنه الفَهِم الفطين
فرمتُ مزاحَه مزحًا بريئًا
وكلُّ دعابةٍ ولها فنون
إذا بالردّ ذو وقعٍ مريرٍ
به يغلو ويهجو أو يمين
ولو شئتُ الهجاءَ لكان طوعي
فلي في الهجو صنعٌ لا يلين
وقبلكَ جَرّبَ «الفضلاءُ» وَهْني
فما أجدى وقد وَهتِ المتون