له الحمدُ في بدء الكلام يطيبُ
وبالمصطفى الهادي إليه أُنيبُ
وبعد فهذي يا عليُّ نصائحٌ
بها حِكَمٌ قد زانها التجريب
عروسةُ أفكارٍ إذا أنتَ صنتَها
وأحسنتَ مَجلاها فلستَ تخيب
فسافرْ بحرز اللهِ وارجعْ مؤيّداً
بنيل المنى فاللهُ منكَ قريب
وأودعكَ الرحمنُ في الغربة التي
جنحتَ لها والفكرُ منكَ مُصيب
وأسأله حسنَ الإيابِ فإنه
لخير دعاءِ الوالدين مُجيب
فأُوصيكَ بالتقوى فربُّكَ عالمٌ
بسرّكَ والنجوى عليكَ رقيب
وحافظْ على الإيمان ما اسطعتَ وليكنْ
به من رضى المولى إليكَ نصيب
وأحببْ لكل الناسِ ما أنتَ تبتغي
لنفسكَ تغدو والعدوُّ حبيب
وإياكَ إياك النقايصَ وليكنْ
من النفس يا ذُخري عليكَ حسيب
وعاشرْ جميعَ الخَلْقِ وادرسْ طباعَهم
وخذْ ما تراه للعقول يطيب
وصاحبْ كرامَ القومِ واهجرْ لئامهم
فإن الفتى للصاحبين نسيب
ولا تحسبنْ في الاعتزال سلامةً
فكلُّ وحيدٍ عاجزٌ وكئيب
تَأدّبْ تجدْ كلَّ الأنامِ أقارباً
فليس غريباً في الوجود أديب
وبادرْ وحاذر أن تفوتكَ فرصةٌ
فحسرتُها في النفس ليس تغيب
وعَظّمْ مقامَ الناسِ كلاًّ بقدرهِ
يُواسيكَ كلٌّ منهمُ ويُجيب
وخلِّ عنادَ القادرين فإنما
يكون عليكَ اللومُ والتثريب
وكنْ صادقاً في القول والفعل دائماً
صدوقاً فشرُّ العالمين كذوب
وكن محسناً للناس وابغِ رضاءهم
فإن معاداةَ الرجالِ عصيب
وكنْ دائماً سمحَ المحيّا بشوشَه
فليس لذي الوجهِ العبوس خطيب
وكن في العوادي ثابتَ الجأشِ حازماً
وصدرُكَ إن ضاق الزمانُ رحيب
ولا تأسَ إن فاتتْ مع الجهدِ فرصةٌ
وراقبْ سواها فالمجدُّ يُصيب
وداومْ على درس العلومِ برغبةٍ
فخيرُ مُعينٍ للفتى الترغيب
ولا تحتقرْ يوماً فقيراً لفقرهِ
ففقرُ الفتى للمال ليس يعيب
فإن كمال المرءِ أجملُ حليةٍ
وخيرُ الغناءِ العلمُ والتهذيب
وإياكَ والحقدُ الذميم فإنه
له في قلوب الحاقدين لهيب
خذِ العفوَ والإحسان تستعبدِ الورى
ولا تنتقمْ فالانتقامُ عطيب
وسامحْ لتلقى إن جنيتَ مسامحاً
فكلُّ امرئٍ لا بدَّ فيه ذنوب
ولا تحسدنْ ذا نعمةٍ واجتهدْ تسدْ
عليه وإلا فالحسودُ قشيب
ولا تُبقِ شغلَ اليومِ عمداً إلى غدٍ
فإن غداً في شُغله توضيب
وبعد غدٍ أيضاً له عملٌ فإنْ
تَعطّلَ يوماً يفسدِ الترتيب
ولا تُبدِ يوماً عيبَ غيركَ واشتغلْ
بنفسكَ واحفظْها ففيكَ عيوب
وباعدْ عن الكِبْر البغيضِ على الورى
فليس لأهل الكبريا ترحيب
ولا ترضَ ذلَّ النفسِ إلا لأهلها
فماءُ المحيّا صونُه مطلوب
ولا تهتكِ الأعراضَ أو ترمِ مُحصَناً
فتُرمى بما ترمي وأنتَ سليب
ولا تشربِ الخمرَ ارتياحاً لشُربها
ففيها ذهابُ العقلِ والتعذيب
وصنْ يا بنيَّ الفرجَ واعلمْ بأننا
سنفنى ويأتي الحشرُ والتأنيب
وكنْ حازماً في كلّ أمركَ واعتمدْ
على الله تنجحْ فالزمانُ عجيب
فهذي تجاريبُ الزمانِ جمعتُها
إليكَ بنظمٍ ما به تَعييب
فخذْها هنيئاً من أبٍ بكَ راحمٍ
فكلُّ نصوحٍ يا بنيَّ أريب
ولو لم يكن هذا الرحيلُ لمقصدٍ
شريفٍ لطالت لوعةٌ ونحيب
ولكنْ فراقُ الأهلِ في طلب العلا
يُهوّن أوصابَ النوى ويُثيب
وليس وداعاً بل وداد وقوفنا
فأنتَ لنفسي يا عليُّ قريب
خيالكَ في عيني، وذكراكَ في فمي
ومأواكَ في قلبي، فأين تغيب