تخطَّ إلى المحتوى

كانت المرأة التي تسكن آخر الممر

غير معروف

٥٩ بيت

المتفرقات

كانتِ المرأةُ التي تسكنُ آخرَ الممرِّ

تُربّي الوقتَ في أقفاصِ الدجاج،

كلّما فقسَ نهارٌ

لوتْ عنقَهُ

وعلّقتهُ على حبلِ الغسيل

كي يجفَّ من الرطوبةِ التي يتركها العمرُ في العظام.

لم تكن تؤمنُ بالطُّفولة،

كانت تراها عطباً طريّاً

يُصيبُ اللحمَ في بدايته،

لذلك دفنتْ ألعابي تحت شجرةِ التوت

وسقتها بالحليبِ الفاسد

حتّى تنبتَ لي يدانِ إضافيّتان

أحملُ بهما الخرابَ فيما بعد.

في البيتِ

كان الخبزُ يُعجنُ من الأصوات.

كلّما تشاجرَ أحدٌ مع السماءِ

كانت تجمعُ الصراخَ في وعاءٍ نحاسيّ

وتتركهُ يتخمّرُ قربَ النافذة،

ثمّ تخبزهُ لنا أرغفةً سود،

فنأكلُ العائلةَ مع الشاي.

وحين يمرضُ أحدُنا

لا تستدعي طبيباً،

بل تفتحُ خزانةَ الموتى

وتنفضُ الغبارَ عن وجهِ سلفٍ قديم،

ثمّ تُجلسهُ قربَ السرير

كي يتذكّرَ الجسدُ

أنّ الخرابَ سلالة.

كانت تخافُ من العين،

لكنّها لم تُعلّق خرزةً زرقاء،

بل علّقتْ رؤوسَ أحلامِنا فوق الباب.

كلُّ حلمٍ يكبرُ أكثرَ من اللازم

كانت تذبحهُ عند الفجر

وتوزّعُ لحمَهُ على القطط

كي لا يجوعَ الحسدُ في الأزقّة.

كبرتُ أنا أيضاً،

وصار لي وجهٌ يشبهُ حقيبةً منسيّةً في محطةِ حرب.

كلّما ابتسمتُ

تتساقطُ من فمي مساميرُ صغيرة،

فتجمعُها تلك المرأةُ في مرطبانٍ زجاجيّ

وتقول:

«سنحتاجُها حين ينهارُ البيتُ فوق أرواحِنا».

لم تكن امرأةً كاملة،

كانت موسماً زراعيّاً

يمشي على قدمين.

حتّى اللهَ

كانت تضعُهُ أحياناً في غربالٍ قديم

وتهزّهُ فوق رؤوسِنا

كي يسقطَ منه المطرُ فقط.

أمّا أنا،

فكنتُ المحصولَ الوحيد

الذي تعفّنَ قبل الحصاد.

لهذا

كلّما كتبتُ قصيدةً

أشمُّ في الورق

رائحةَ ترابٍ مبلّل،

كأنّ الكلماتِ خرجتْ للتوِّ

من قبرٍ ريفيّ

حفرتْهُ تلك المرأةُ

بأظافر مغطّاةٍ بالطين.