آبَاؤُنا زَرَعُوا فُتَاتَ قُلُوبِهم في رَملِ النَّقَبْ
فأَنْبَتَتْ غَضَبًا دَاكِنًا غَطَّى سَمَاءَ وُجُودِهِم
خَيمَةً خَيمَة،
زَرَعُوا سَمَاحَتَهم والمروءَةَ والأمَلْ
زَرَعُوا صَفَاءَ سَرِيرَتِهم
واستَرَاحُوا مِنْ عَنَاءِ المَوتِ
من عَطَشِ الحَيَاةِ إلى حَياة
آباؤُنا جَمَعُوا كتلَةَ الشَّمسِ في كِيسِ الينَابِيعِ الفَقِيرَة
كَيْ يَدْفُقَ الحُبُّ من وجدَانِهم نَحوَ المَدَى
لَم يَرحَلُوا،
لَمْ يُشْرِعُوا سُفُنَ الصَّحَارَى
لَم يَرفِدُوا الطُّرُقَ العَمِيقَةَ أَقدَامَهم
عَاشُوا هنَا عَلى رَملِ النَّقَبْ
عَدُّوا رِمَالَ الأرضِ حَبَّةً حَبَّة
أغْرَقُوها بالمَحَبَّة
واحتَفَوا بجَوَائِزِ العَرَقِ العَنِيدِ وبالتّعَبْ
والقَهوَةِ المُرَّةِ والدِّلالْ
جَمرُ المواقِدِ لَمْ يَنْطَفِئْ مِنْ عَهدِ نُوحْ
مَرَّ طُوفَانُه قُربَهم
فَاسْتَقْبَلُوه
ووَدَّعُوه
ووَسَّدُوهُ حَنِينَهم
وانتَظَرُوا أن يَرتَمِي خَلفَ التِّلَالْ
أبَاؤُنا ضِلْعُ المثَلَّثِ،
بِعِظَامِهم سَوَّرُوا أحْزَانَه،
غَنُّوا لَهُ حَدْوَ الجِمَالْ
يا ضَيفَهم لَو زُرْتَهم لَوَجَدْتَهم حُبًّا غَادِقًا
وإنِ اعتَدَيتَ رَأيْتَهم عَصَبَ النِّصَالْ
هُمْ حَمَّلُوا قُلوبَهم مِنْ غِلالِ الأرضِ
ما لا تَغِلُ الأَرضُ
زَرَعُوا صِيامَ عِنَادِهم في غَيمها
ثُمَّ كَانُوا
وكَانَ النَّاسُ والكَلِمَاتُ
وكانَتْ رُوحُهم ثَمَرا،
أَشجَانُهُم شَجَرا
واحتِفَاءَاتٍ بالغِلَالْ
عَفَّرُوا ضَوءَ جِبَاهِهِم بِكُوَّةِ النَّجْمِ
وهَدْلَةِ القَمَرِ الهِلالْ
سَاعَاتُهم كَانَتْ نَجْمَةً قطبِيَّةً
عَقْرَبَاها رِيحُ الشَّمَالْ
كَبِرَتْ سنَابِلُ قَحْطِهم في غَفْلَةِ المَطَرِ القَليل
وامتلأَت بَيَادِرُ حبهم في صُّرَّة العَزْمِ المُحَالْ
هذا مُثَلَّثُ شِعْرِهِم
ضِلعٌ منَ الأشواقِ والعَزمِ ممتَدٌّ إلى قُبَّةِ الفَلكِ العَظِيمَةِ
وآخَرُ غَارِقٌ في الرّيحِ مُرتَفِعٌ نَحوَ شَقْشَقَةِ الرِّمَالْ
وثَالِثٌ هو الإنسَانُ مُتّحِدًا بجِغرَافِيَا الوُجُودْ
يَصنَعُ التَّاريخَ
قَبْلَ جُلجُلَةِ الصّليبِ
وقَبْلَ انحناءاتِ الهِلاَلْ
هَذا هو النَّقَبُ العَنيدِ
فَورَةُ الأجْدَادِ منْ كَنْعَانَ
بأَظْفَارِهِم عَمَّرُوا أَمْجَادَه
واستَوطَنُوا
الأَرضَ الحَلاَلْ