أَتَعْرِفُ رَسْماً دَارِساً قَدْ تَغَيَّرا
بِذَرْوَةَ أَقْوَى بَعْدَ لَيْلَى وَأَقْفَرا
كَمَا خَطَّ عِبْرَانِيَّةً بِيَمِينِهِ
بِتَيْماءَ حَبْرٌ ثُمَّ عَرَّضَ أَسْطُرا
أَقُولُ وَقَدْ شُدَّتْ بِرَحْلِيَ نَاقَتِي
وَنَهْنَهْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ أَنْ يَتَحَدَّرا
عَلَى أُمِّ بَيْضاءَ السَّلَامُ مُضَاعَفاً
عَدِيدَ الْحَصَى مَا بَيْنَ حِمْصَ وَشَيْزَرا
وَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّ بَيْضاءَ إِنَّهُ
كَذَلِكَ بَيْنا يُعْرَفُ الْمَرْءُ أُنْكِرا
فَقَوْلُ ابْنَتِي أَصْبَحْتَ شَيْخاً وَمَنْ أَكُنْ
لَهُ لِدَةً يُصْبِحْ مِنَ الشَّيْبِ أَوْجَرا
كَأَنَّ الشَّبَابَ كَانَ رَوْحَةَ رَاكِبٍ
قَضَى أَرَباً مِنْ أَهْلِ سُقْفٍ لِغَضْوَرا
لَقَوْمٌ تَصَابَبْتُ الْمَعِيشَةَ بَعْدَهُمْ
أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ عِفَاءٍ تَغَيَّرا
تَذَكَّرْتُ لَمَّا أَثْقَلَ الدَّيْنُ كَاهِلِي
وَصَانَ يَزِيدٌ مَالَهُ وَتَعَذَّرا
رِجَالاً مَضَوا مِنِّي فَلَسْتُ مُقَايِضاً
بِهِمْ أَبَداً مِنْ سَائِرِ النَّاسِ مَعْشَرا
وَلَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ عَرْشَ هَوِيَّةٍ
تَسَلَّيْتُ حَاجَاتِ الْفُؤادِ بِشَمَّرا
فَقَرَّبْتُ مُبْرَاةً تَخَالُ ضُلُوعَها
مِنَ الْماسِخِيَّاتِ الْقِسِيَّ الْمُؤَتَّرا
جُمَالِيَّةٌ لَوْ يُجْعَلُ السَّيْفُ غَرْضَها
عَلَى حَدِّهِ لَاسْتَكْبَرَتْ أَنْ تَضَوَّرا
وَلَا عَيْبَ في مَكْرُوهِها غَيْرَ أَنَّهُ
تَبَدَّلَ جَوْناً بَعْدَ ما كَانَ أَزْهَرا
كَأَنَّ ذِرَاعَيْها ذِرَاعَا مُدِلَّةٍ
بُعَيْدَ السِّبَابِ حَاوَلَتْ أَنْ تَعَذَّرا
مُمَجَّدَةِ الْأَعْرَاقِ قَالَ ابْنُ ضَرَّةٍ
عَلَيْها كَلَاماً جَارَ فِيهِ وَأَهْجَرا
تَقُولُ لَهَا جَارَاتُها إِذْ أَتَيْنَها
يَحِقُّ لِلَيْلَى أَنْ تُعانَ وَتُنْصَرا
يَغَرْنَ لِمِبْهَاجٍ أَزَالَتْ حَلِيلَهَا
غَمَامَةُ صَيْفٍ مَاؤُها غَيْرُ أَكْدَرا
مِنَ الْبِيضِ أَعْطَافاً إِذَا اتَّصَلَتْ دَعَتْ
فِرَاسَ بْنَ غَنْمٍ أَوْ لَقِيطَ بْنَ يَعْمُرا
بِهَا شَرَقٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَعَنْبَرٍ
أَطَارَتْ مِنَ الْحُسْنِ الرِّدَاءَ الْمُحَبَّرا
تَقُولُ وَقَدْ بَلَّ الدُّمُوعُ خِمَارَها
أَبَى عِفَّتِي وَمَنْصِبِي أَنْ أُعَيَّرا
كَأَنَّ ابْنَ آوَى مُوثَقٌ تَحْتَ غَرْضِها
إِذَا هُوَ لَمْ يَكْلِمْ بِنَابَيْهِ ظَفَّرا
كَأَنَّ بِذِفْرَاها مَنَادِيلَ قَارَفَتْ
أَكُفَّ رِجَالٍ يَعْصِرُونَ الصَّنَوْبَرا
وَتَقْسِمُ طَرْفَ الْعَيْنِ شَطْراً أَمَامَها
وَشَطْراً تَرَاهُ خِشْيَةَ السَّوْطِ أَخْزَرا
لَهَا مَنْسِمٌ مِثْلُ الْمَحَارَةِ خُفُّهُ
كَأَنَّ الْحَصَى مِنْ خَلْفِهِ خَذْفُ أَعْسَرا
إِذَا وَرَدَتْ مَاءً هُدُوءاً جِمَامُهُ
أَصَاتَ سَدِيسَاهَا بِهِ فَتَشَوَّرا
وَقَدْ أَنْعَلَتْها الشَّمْسُ نَعْلاً كَأَنَّهُ
قَلُوصُ نَعَامٍ زِفُّها قَدْ تَمَوَّرا
سَرَتْ مِنْ أَعَالِي رَحْرَحَانَ فَأَصْبَحَتْ
بِفَيْدٍ وَبَاقِي لَيْلِها مَا تَحَسَّرا
إِذَا قَطَعَتْ قُفّاً كُمَيْتاً بَدَا لَها
سَمَاوَةُ قُفٍّ بَيْنَ وَرْدٍ وَأَشْقَرا
وَرَاحَتْ رَوَاحاً مِنْ زَرُودَ فَنَازَعَتْ
زُبَالَةَ جِلْبَاباً مِنَ اللَّيْلِ أَخْضَرا
فَأَضْحَتْ بِصَحْرَاءِ الْبُسَيْطَةِ عَاصِفاً
تُوَلِّي الْحَصَى سُمْرَ الْعُجَايَاتِ مُجْمَرا
وَكَادَتْ عَلَى ذَاتِ التَّنَانِيرِ تَرْتَمِي
بِهَا الْقُورُ مِنْ حَادٍ حَدَا ثُمَّ بَرْبَرا
وَأَضْحَتْ عَلَى مَاءِ الْعُذَيْبِ وَعَيْنُها
كَوَقْبِ الصَّفَا جِلْسِيُّها قَدْ تَغَوَّرا
فَلَمَّا دَنَتْ لِلْبَطْنِ عَاجَتْ جِرَانَها
إِلَى حَارِكٍ يَنْمِي بِهِ غَيْرُ أَدْبَرا
وَقَدْ أَلْبَسَتْ أَعْلَى الْبُرَيْدَيْنِ غُرَّةً
مِنَ الشَّمْسِ إِلْباسَ الْفَتَاةِ الْحَزَوَّرا
وَأَعْرَضَ مِنْ خَفَّانَ أُجْمٌ يَزِينُهُ
شَمَارِيخُ بَاهَا بَانِيَاهُ الْمُشَقَّرا
فَرَوَّحَها الرَّجَافَ خَوْصَاءَ تَحْتَذِي
عَلَى الْيَمِّ بَارِيَّ الْعِرَاقِ الْمُضَفَّرا
تَحِنُّ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ وَقَدْ بَدَا
سُهَيْلٌ لَها مِنْ دُونِهِ سَرْوُ حِمْيَرا
فَفَاءَتْ إِلَى قَوْمٍ تُرِيحُ رِعَاؤُهُمْ
عَلَيْها ابْنَ عِرْسٍ وَالْإِوَزَّ الْمُكَفَّرا
إِذَا نَاهَبَتْ وُرْدَ الْبَرَاذِينِ حَظَّها
مِنَ الْقَتِّ لَمْ يُنْظِرْنَها أَنْ تَحَدَّرا
كَأَنَّ عَلَى أَنْيَابِها حِينَ يَنْتَحِي
صِيَاحَ الدَّجَاجِ غُدْوَةً حِينَ بَشَّرا
إِذَا ارْتَدَفَاهَا بَعْدَ طُولِ هِبَابِها
أَبَسَّا بِهَا مِنْ خَشْيَةٍ ثُمَّ قَرْقَرا
وَقَدْ لَبِسَتْ عِنْدَ الْإِلَهَةِ سَاطِعاً
مِنَ الْفَجْرِ لَمَّا صَاحَ بِاللَّيْلِ بَقَّرا
فَلَمَّا تَدَلَّتْ مِنْ أُجَارِدَ أَرْقَلَتْ
وَجَاءَتْ بِمَاءٍ كَالْعَنِيَّةِ أَصْفَرا
فَكُلُّ بَعِيرٍ أَحْسَنَ النَّاسُ نَعْتَهُ
وَآخَرَ لَمْ يُنْعَتْ فِدَاءٌ لِضَمْزَرا