التوأمانِ الدمعُ والإيحاءُ
ما شئتَ - أيّهما - عليكَ رثاءُ
ولأنتَ أسمى حين تُرثى بالبُكا
ولَوَ انّ ما يُبكي به الأنواء
والشعرُ دون عُلاكَ حين تقولُه
لكنْ لتُحرزَ مجدَها الشعراء
فالشعرُ بالعظماء يخلد مثلما
بالمكرمات يُخَلَّد العظماء
خبتِ العواطفُ والعواطفُ شعلةٌ
بمُذاب قلبكَ زَندُها وضّاء
وطغى على وعي القلوبِ من الأسى
بالرغم من يقظاتها إعياء
وتَحطّمتْ هِممٌ، وأحجمَ منطقٌ
وذوى يراعٌ وارتمتْ أهواء
لا غروَ فالدينُ الحنيف تَهدّمتْ
لكَ منه أركانٌ ولُفَّ لواء
بكتِ الشريعةُ وهيَ أُمّكَ قد نما
لكَ عندها ذهنٌ وشبَّ ذَكاء
ومشى على الأجواء مِشيةَ ساخرٍ
بالأفق يرسم ما يشاء قضاء
فَدْوى لمجدكَ مائسٌ بظلالهِ
أملٌ تَدفَّقَ بالسنا ورجاء
لُقِّنْتَ بالآي الكريمِ وإنه
نبعٌ له من أصغريكَ رُواء
ووجمتَ لولا أنّ همساً حَرّكتْ
شفتيكَ منه خفيفةً أصداء
ومذِ الملائكُ رهطُهم وقبيلُهم
مَرّوا عليكَ وكلُّهم خُلَصاء
وسقوكَ خمرتَهم وقد خفقتْ على
بُرديكَ منهم رقّةً أشذاء
حملوكَ روحاً بينهم جنباتُها
طهرٌ وروحانيّةٌ وبهاء
أأبا الغيارى المخلصين أتتكَ من
شتّى الجهاتِ كتائبٌ سوداء
طافوا بحفلكَ واجمين وكلُّهم
مُهجٌ تذوب وأدمعٌ خرساء
نبعَ الأسى في كلّ قلبٍ وارتمت
في عين كلّ مُولّهٍ أقذاء
هم رهطك الباكون حولك وُلَّهًا
وعشيركَ المفجوع والندماء
فاخلعْ رداءَ صباكَ [زاهٍ] فوقهم
فعليكَ من حُور الجنانِ رداء
واسكبْ بقايا الطهرِ في أكوابهم
فعلى شفاهكَ للنعيم رُواء
وانشرْ ظلالكَ فوقهم فلديكَ من
أيكِ الخلودِ نَديّةً أفياء
واشرقْ بآراء القلوبِ وقلْ لها
هذا المسيحُ عليك يا آراء
يا قدوةً شعّتْ بآفاق السما
منها على وجه الدنا أضواء
طافت بكَ السبعون وهي سحائبٌ
وأهلّةٌ في الخافقين وِضاء
عزماتُ قلبكَ واليدُ البيضاءُ
صحفٌ لها بفم الزمانِ ثناء
قالوا كريمٌ - قلتُ هل مثلُ السَّما
فينا ومثلُ نزيلِها كُرماء
لكنْ كريمُ الذهنِ أسمى رفعةً
لو قاربتْ مقياسَها الأشياء
للدهر من كرم النفوسِ فناءُ
ولديه من كرم العقول بقاء
في ذمّة الأقدارِ أنْ مسَّ الثرى
جسدٌ برتْه عقيدةٌ عصماء
وأحالتِ الرغباتُ منكَ عزائماً
منها على حدّ السيوفِ مضاء
الحمدُ للتأريخ - أوَّلُ صفحةٍ
لكَ في «الشُّعَيْبةِ» كالضحى غَرّاء
قد خطّ سيفُكَ فوقها لكَ أحرفاً
ذهبيّةً هي أنعُمٌ ورخاء
وبها خطبتَ علاكَ في أزكى دمٍ
إن المهور كريمُهنَّ دماء
وأقمتَ مجدَكَ شامخاً وسمتْ على
زاكي الدِّما - حرّيةٌ حمراء -
أخواكَ قرآنٌ بها ولواءُ
وعلاكَ - إنهما اليدُ البيضاء
أأبا الفضائل والفضائلُ كلُّها
عكفتْ عليكَ كأنها أحناء
قد كنتَ نبعَ هدىً فما من ظامئٍ
نهبتْ قواه الحسرةُ الثكلاء
ولأنتَ في «سوق الشيوخِ» رسالةٌ
للعلم - دون مِثالها الإطراء
لا غروَ لو بكتِ القلوبُ كآبةً
فلأنتَ في آفاقهنَّ ذُكاء
أزعيمَ قطرِ الرافدين وما انتمتْ
مرموقةً إلا لكَ العلياء
ولأنتَ أجدرُ أن يُحيط بكَ السَّما
أُفْقاً وتحضن قبرَكَ الجوزاء
لكنها الأرضُ الحنون إذا انتمتْ
لسَما الملائكِ - روحُكَ العذراء
حَنّتْ لجسمكَ فاستوتْ ميمونةً
في طيّها لكَ عفّةً أعضاء
ولعلها نظمٌ فما وهبَ الثرى
باقٍ ويُرفَع ما أتتْه سماء
وإذا صدقتُ فإن روحكَ بلبلٌ
غَرِدٌ - وقبرُكَ روضةٌ غَنّاء
أَأُخَيَّ «موسى» والحياةُ نعيمُها
كَذِبٌ ورونقُها الجميل طلاء
أُلهمتَ بالصبر الجميل وإنه
سلوى لكلّ مُولَّهٍ وعزاء
قد قمتَ في كلف الزعامةِ وهْي من
عينيكَ ضوءُ هدايةٍ وسناء
لا تبكِ إن أدلى عليكَ بدلوهِ
خَطْبٌ وطافت غيمةٌ سوداء
فاصمدْ بجنب أخيكَ إن أخوّةً
عهدي بها طيَّ النواظرِ ماء
وأُبوّةُ الوطنِ الكريم قديمُها
وحديثُها - لكمُ يدٌ ولواء