تخطَّ إلى المحتوى

و كم مزقت أشعاري

الوافر

٥٤ بيت

المتفرقات

و كم مزَّقتُ أشعاري

فأرجِعُ مثلَ جثمانٍ تطوفُ بهِ الخطى

كسفينةٍ محطومةٍ ضلَّت بلا صاري

و أذكرُ حينَ كنَّا بضعَ أطفالٍ

نهيمُ من السُّهولِ إلى التِّلالِ، برائةٌ كتوهُّجِ النَّارِ

و أرجع حاملاً قلمي، كطفلٍ يحملُ الطَّبشورَ

لا أختٌ لهُ تأويهِ، يرسمُ في انتظارِ

كمغتربٍ يذوقُ البردَ كأساً بعد كأسٍ في احتضارِ

و همسٌ في جفونِ اللَّيلِ، بحَّ بهِ "صدىً هاري":

"و ترجعُ في انكسارِ !!

تجرُّ خُطاكَ، لا ألقٌ يذوبُ على شِفاكَ و لا "هوىً عاري"

أترجعُ في بهوتٍ، في رُجوعٍ، تائهَ الدَّارِ

أترجعُ في زقاقِ الحيِّ تنثرُ وجدكَ الرَّفرافَ أغنيةً

كقيثارٍ بلا نغمٍ .. و أوتارِ"

و كم مزَّقتُ أشعاري ...

ألا أُختاهُ كيف أعودُ من سَفَرِي

فحشرجةٌ من الظُّلماتِ تبخسُني

و تدفعُ قلبيَ الذَّبلانَ قُرباناً إلى القَدَرِ

"أترجعُ مرَّةً أخرى

تلوذُ اللَّيلَ، لا سمَرٌ، و دخَّانٌ تزاحمَ في مدى النَّظَرِ

أترجعُ مثلَ نجمٍ زارهُ الغَبَشُ ؟

فكانَ على لهيبِ الشَّمسِ ينتَعِشُ

و لحدٌ في السَّماءِ الجونِ يفتَرِشُ

أترجعُ في خطاكَ الذَّاوياتِ،

سفينةً محطومةً ضلَّت بلا صاري"

فلم يبكِ الفؤادُ سوى:

"و كم مزَّقتُ أشعاري ..."

ألا أختاهِ إن الشِّعرَ بحرٌ باتَ يُغرِقُني

و ما من ساحلٍ ترسو عليهِ خرائبُ السُّفُنِ

و صوتٌ منكِ يا أختاهُ يُدليني

على بيتي، أكانَ هوَ السَّرابُ و سُكرَةُ الوَسَنِ ؟

ألا أختاهُ، لم ترأف بيَ الدِّنيا فعينيني

و مدي لي القُلوعَ و إرفعي المرسى

عسى أنسى

سُعارَ أسايَ، ما أنساهُ،

مثلَ سفينةٍ قَطَعَت ظلامَ اللَّيلِ، لم أَنَمِ

فرحتُ أغوصُ في الظَّلماءِ أصرعُ رهبةَ العَدَمِ

ألا أختاهُ إنَّ الشِّعرَ بعضُ الذَّنبِ و العارِ ..

... لَكَمْ مزَّقتُ أشعاري ...

و أسمعُ همسةَ في الرِّيحِ، هل هو صوتُ أختي لو تناديني !

فأرفعُ حسرةً: "أختاهُ إن لم أبكِ، هذا الظلُّ يبكيني

و ينثرُ كلَّ بيتٍ كنتُ أكتُبُهُ

على الظُّلماتِ سِفراً و اغتراباً كان يرثيني

مددتُ يديَّ، أجهشُ في البكاءِ على دواويني

و دمعٌ قد تقطَّرَ فوقَ أوراقي

فأُنبِتَتِ الدُّروبُ بها، و كلَّلها ظلامٌ في (الدَّرابينِ)

فلا ثمرٌ لهذا الطِّفلِ، أغصانٌ بلا ورقٍ

و لا ألقٌ على عيني

أيعرفُ كلُّ من قرأوا دواويني ...

بأنَّ الشِّعرَ عندي صوتُ مقبرةٍ

يذيعُ على جفوني التَّيهَ، أرجعُ في هوانِ!

مثلَ سفينةٍ محطومةٍ ضلَّت بلا صاري

و كم يا من رَشَفتُم مُرَّ ديواني ...

... و كم مزَّقتُ أشعاري ...