سلامٌ على قبر الذين تَرَجَّلُوا
وغابوا عن الدنيا سلامٌ عليكمُ
إذا ما رماني سهم شوقٍ بِعَبْرَةٍ
سبقتُ جناني للمجيء إليكمُ
وسرتُ بنفسٍ باللهيب تَوَقَّدَتْ
ونارُ الحنايا بالأسيف تَكَتُّمُ
سكبتُ دموعاً لم تزل بمحاجرٍ
تبوحُ احتراقاً واللسانُ تَلعْثُمُ
ويحْمِلُني قلبٌ كثير تأوُّهٍ
على فقد حِبٍّ والحياةُ تَبَرُّمُ
بنفسي وألفٍ مِثلها لفداكمُ
أتيتُ وكأسُ الموتِ أقوى وأظلمُ
تدورُ دُهورٌ ثم يُقْصَفُ عُمْرَنَا
كسُنْبُلةٍ بين الرَّحى،تتحطمُ
لساكنة الرَمْسِ الظليل بسِدْرَةٍ
تحايا تَهُزُّ السِّدْرَ والردُ أكرمُ
كأنك في الخِدْرِ العفيف رَبابةٌ
تُعِدُّ قِراباً للعطاش فَزمْزَمُوا
بكفٍّ نديٍّ لا تجفُّ عيونهُ
رويتِ نَجِيِّاً بالرضا يَتَحَلَّمُ
وكم رأت الدنيا كراماً فهل رأت
كريماً يُمِدُّ الخيرَ وهْوَ يُرحَّمُ
فما كلُّ من أعطى العطا مُتَفَضِّلٌ
ولا كلُّ من أغْضى غِنىً مُتنَعَّمُ
وإني على عهد الوفا بصبابتي
مُقيمٌ وهل ينسى الغنا مُترنّمُ
فوفَّيتُ حتى لا يقال تَصَرَّمُوا
ومات الوفا بين العباد وأجرموا
وهل يستطيبُ العيشُ بعد فراقكم
-وأنتم بدارٍ غير داري- وأنعمُ
يقولون لا تُهْلكْ شبابك حسْرةً
فإنّ نحول الغُصن فيك يُدمْدِمُ
وما نفعُ غُصنٍ دون زاهر وردهِ
وما حُسْنُ قولٍ دون عقلٍ يُقَوِّمُ
فتلك التي هام الفؤادُ ليالياً
يبثُّ الشجى من حُسْنها ويُهَمْهِمُ
بوجهٍ كبدرٍ في ليالٍ حوالكٍ
تُطِلُّ ومنها البدرُ نورهُ يَنْجُمُ
وقَدٍّ كبيض الهند بين نجادهِ
وخصْرٍ تلا رُمَّانتين يُتيِّمُ
وما كان لابن الحبِّ يُغمض جفنهُ
عن الحُسْن أو يخفي هواهُ ويكتُمُ
وإني إذا شئتُ الجمال قصدتهُ
بِدَلٍّ وعزمٍ لا يفلُّ ويثْلَمُ
كذاك طِلاب المجد كان نوالهُ
بسعيٍّ حثيثٍ والقضاء يُتمِّمُ
وكم من جليسٍ لا يرومُ مكانةً
أتتْهُ بفضل اللهِ واللهُ أحكمُ
وكم من شقيٍّ نال كلّ مرامهُ
تولَّتْ بكُفْرانٍ وما ظنَّ يُحْرمُ
فإياك والدنيا إذا كنت ساعياً
إليها فبعض الشهد مُرٌّ وعلْقمُ
أيا من أردتم ردَّ وِزْرَ. فُتونها
عليكم. بغضِّ الطرف عنها لتسلموا
وزوروا بقاع الزهد بالوجه يَمِّمُوا
فليس بِوُجْدِ الماء جاز التيمُّمُ
فإنّا على الدنيا خيالٌ مُفارقٌ
لكلِّ سَميٍّ والتراب يلملمُ
فلا صرخة الآهات تُرْجِع غائباً
ولا دمعة الآماق تُنْجي وتعْصِمُ
ولكن لنا في الوعد دار مُقامةٍ
وكلُّ فقيدٍ سوف نَلْقى وننعمُ