تخطَّ إلى المحتوى

قم في عنيبة واخطر في روابيها

غير معروف

٤٢ بيت

المتفرقات

قمْ في «عُنيْبةَ» واخطرْ في روابيها

وحيِّ أطوادَها سبحانَ باريها

وانظمْ لها من قوافي الشّعرِ أروعَها

فرونقُ الحسن يكسو كلَّ ما فيها

طابت هواءً فلا مشتى يعادلها

بين المشاتي ولا «أسوانُ» تحكيها

وجوُّها أبدًا صحوٌ لساكنها

ونجمُها يتلالا في دياجيها

جوُّ الشَّمال عبوسٌ كلُّه مطرٌ

كم قوَّض الغيثُ دارًا فوق ثاويها

وبدرُها سافرٌ تُغريك طلعتُهُ

فتقطعُ الليلَ سهرانًا تناجيها

والشّمسُ ضاحيةٌ ليست بجافيةٍ

إذ ليس في الأفْق من سُحْبٍ تغشِّيها

فحوَّمَ الحرُّ في أرجائها وجَلا

همَّ الصدورِ وداءً كادَ يُدميها

تلك الجبالُ نهودٌ في ترائبها

والرَّملُ من حولها أضحى يجلِّيها

أو أنها العيسُ في البيداء هائمةٌ

الدهرُ نفَّرها أنَّى تُلاقيها

أو أنها - في فم الأيامِ كاشرةٌ -

أبناءها فغدت تغتال هاويها

فكم حمتْ من أذى التهجير قائلَها

وآنستْ في ظلام الليل ساريها

أنَّى ذهبْتَ تجدْ من أرضها عجبًا

روضًا أنيقًا تجلّى في صحاريها

أزهارُها دررُ الحصباء مبهرة

حُمرًا وبِيضًا تفشَّت في نواحيها

شتّان بين زهور الرّوض باسمةً

وبين أزهارها أنَّى تُحاكيها

فذي تعمَّرُ آلافًا مؤلَّفةً

من السنين وتزهو في مرائيها

وتلك إن تقتطفْ - تيهًا بنضرتها

يومًا - فإنَّ قليلَ الوقت يُضنيها

فاعجَبْ لأزهار روضٍ في الصخور بدتْ

كأنّها صفحةٌ والنجمُ قاريها

أو أنّ ذا الصخرَ مرآةٌ قدِ انعكست

فيها الكواكبُ دانيها ونائيها

آثارُ «نُوبةَ» تسمو أن يُماثلَها

صنعُ الفرنجةِ أو فنٌّ يدانيها

ففنُّها يذرُ الأفهامَ حائرةً

ويملأُ النفسَ إعجابًا بمُنشيها

فمَن بناها؟ أجبْني إنّهُ رجلٌ

من آلِ نوبةَ حرُّ النفسِ آبيها

ففخرُ مصرَ بها من يوم نشأتِها

ووجهُ تاريخِها يزهو بها تيها

مشاهدٌ تستعيدُ العينُ رؤيتَها

كأنّ بهجتَها أقصى مراميها

فيسجدُ المرءُ إجلالاً لخالقها

ويُكْبِرُ العقلُ فيها صنعَ باريها

أضفتْ على النيل سحرًا لا يعادلهُ

سحرُ الجزيرةِ توحيهِ غوانيها

قامت عليها الجبالُ الشمُّ حارسةً

جند اللياليَ أو تعدو عواديها

تخشى الحوادثُ أن تغشى محارمَها

ويرهبُ الدهرُ أن يجتاز واديها

إن الجمالَ لهُ جندٌ تمنِّعه

تظلُّ تفتك بالأعدا مواضيها

للوردِ شوكتُهُ، والمرءِ غضبتُهُ

والظبيِ خفَّتُهُ، والزُّهر هاويها

وللصحارى حُماةٌ من عقاربها

تذودُ مَن راحَ يلهو في مجاليها

فهل عليها وقد قامت بواجبها

عتْبٌ فيجعلنا طرّاً نعاديها؟

منِ استهان بها أو راحَ يحْقرُها

يا ويلهُ من جنودٍ من أفاعيها

فاحذرْ - هُديتَ - ولا تعبثْ بروضتها

تعشْ معافى ولا ينعاكَ ناعيها

قالوا «عنيبةُ» قفرٌ قلت ويحَكمُ

أليس خصبُكمُ من شحْمِ واديها؟

النيل والدُها فاعجبْ له حَكَمًا

حابى الشَّمالَ بجزءٍ من أراضيها

يجري بتربتها، يبتزُّ غِرْيَنَها

وليتهُ بزلال الماء يرويها

فإن رأيتم نماءً في حقولكمُ

ففضلُه راجعٌ حتمًا لساقيها

فمن أحقُّ بشكرِ الناس قاطبةً

مُعطَى الهديَّةِ أم من بات يعطيها؟

نَقمْتَ منها أمورًا ما لها أبدًا

بها يدانِ وقد ذاقت مآسيها

بل شاركتْك التَّشكِّي مَن أعاركما

أذْنًا لنصرةِ صوتِ الحقِّ يصغيها

كفى افتخارًا على الأمصار أجمعِها

سوءُ التَّمَدْيُنِ لم يخطرْ بواديها